نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06
الجزء ٨ · صفحة ٢٧٩بعد التّقديم للمشهد بوصف جوّ فرعون وقومه في منتهى الطّغيان والإجرام، ينتقل السّياق مباشرة إلى ذكر الحوار الذي تبادله كلّ من موسى وفرعون في أول لقاء رسمّي بينهما، أي بعد أن بعثه الله رسولا إليه، فذكر الله أنّ مجيء الحقّ لهم من عنده بصفة مجملة وقد فصّل ذلك في سورة الأعراف وغيرها، وكما دلّت البيّنات التي أيّد الله بها موسى على مجيء ذلك الحق من عند الله دليلا على صدق موسى في دعوته، فكان جواب القوم -وقد انبهروا بما أتاهم به- أن قالوا في عناد واستكبار: (إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُُّبِينٌ)، أي هو من قبيل التّخيّلات والتّمويهات السّحرية، فأكّدوا كلامهم بعدّة توكيدات، وبوصف السّحر بأنه واضح مبين لإثبات دعواهم في تبرير تكذيبهم لرسولهم. غير أن موسى عليه السلام ردّ عليهم في تقريع وإنكار: (أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُم)، وقد حذف مقول القول لدلالة ما بعده عليه: (أَسِحْرٌ هَذَا). صدّرت الجملة -أيضا- بالاستفهام الإنكاري لتأكيد التّوبيخ. وتكرّر ذكر مجيء في جواب موسى لإثبات حقية دعواه، وأنها لا يمكن أن تكون سحرا، وقد رأوا تلك الآيات بأعينهم، أي انقلاب العصا ثعبانا مبينا وتلقفها لكلّ ما هيأه السّحرة وإبطالها لشعوذتهم وتمويهاتهم.
ولتقوية ذلك الإنكار لآيات الله أن تكون سحرا زاد موسى قوله: (وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ)، فأبان بذلك فساد ما يعتقدونه من السّحر وسوء عاقبة من يتعاطاه؛ وليس من الحكمة ولا من العقل في صاحب حرفة أن يحقرها ويحكم بفسادها في أعين مريديه.
فكيف كان جواب القوم، وقد لزمتهم الحجة وأفلسوا في إقناع أنفسهم بعد ما شاهدوه من الحق الواضح؟، لقد برّروا موقفهم في التّكذيب والرّفض بأمرين: