نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01

الجزء ١ · صفحة ٢٥١

وقبل الرّدّ على هذه الدّعوى الزّائغة جاء قوله تعالى: (سُبْحَانَهُ) في جملة معترضة متمكّنة في موقعها، وهي لتنزيه الذّات العليّة عن كلّ نقص، وأفظعه جعل الوالدية للخالق الذي لا يشبهه شيء في خلقه، وما ينبغي له أن يتّخذ ولداً، لأنّ ذلك يؤذن بالحدوث والجهات والفناء، وتعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً، وقد أبطل ذلك الادّعاء بقوله: (بَلْ لَّهُ، مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ) لأنّ المالك لجميع الموجودات في العوالم العلويّة والسّفلية بما فيها من العقلاء وغيرهم، هو غنيّ بذاته عن تلك الموجودات، ولا يمكن للمملوك أن يرتقي إلى مستوى المالك حتّى وإن اختصّه الخالق ببعض الميزات عن غيره مثل الرّسل والأنبياء والصّالحين من عباده، بل كلّ هؤلاء يقرّون بالعبودية والخضوع لله: (لَنْ يَّسْتَنْكِفَ المَسِيحُ أَنْ يَّكُونَ عَبْداً للهِ وَلاَ المَلآئِكَةُ المُقَرَّبُونَ) (النساء:172).

ولتأكيد نفي الولدية عنه تعالى أعقب ذلك ببيان بديع صنعه وعظيم قدرته، فقال تعالى: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ، كُن فَيَكُونُ): وبديع خبر لمحذوف تقديره: هو بديع السّماوت والأرض، أي خلقهما على غير مثال سابق، … وذلك لا يقتضي سبق المادة كما حقّقه اللّغويّون، فصفة (بَدِيعُ) أدلّ على قدرة الخالق من قوله: (خلق)، لأنّ الخلق هو التّقدير يقع في شيء موجود، كما جاء التّعبير القرآني بـ"فاطر" وهو اسم فاعل من " الفطر" أي الخلق، وفيه معنى التّكوّن سريعاً، لأنّه مشتقّ من الفَطْرِ وهو الشّقّ، قال تعالى: (إِذَا السَّمَآءُ انْفَطَرَت) (الانفطار:01).

٢٥١ / ٦٬٢٠١