نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06
الجزء ٨ · صفحة ٢٨٥وقوله: (عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلإَِيْهِمُ أَنْ يََّفْتِنَهُمْ)، أي إنّ أولئك المؤمنين بموسى كانوا خائفين من بطش فرعون، وكان يخشى أن يفتنهم القوم عن إيمانهم بالتّعذيب والتّنكيل، إذ كان فرعون وملؤه يتجاوزون كل الحدود ويسرفون في البغي والطّغيان، وعلى ذلك الخوف كان هؤلاء المؤمنون في حاجة إلى ما يزيل خوفهم ويثبّت قلوبهم على الحق. وكان على الرّسول الدّاعية أن يرشدهم إلى أسباب ذلك فنادى موسى قومه: (وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمُ ءَامَنتُم بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ، فَقَالُواْ عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ).
لقد أفرزت هذه المواجهة طائفتين متميّزتين، وعلى رأس كلّ منها زعيم يسعى لجمع قومه وتحريضهم للوجهة التي يختارها، فبعد أن استنفر فرعون قومه بما حكى الله عنه: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ايتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ)، نجد موسى بعد أن انتهت المواجهة بنصره وإيمان طائفة من قومه نجده يوجّه إليهم هذا النّداء بـ"يا قوم"، تحبّبا إليهم واستمالة لعاطفتهم، بينما نلاحظ الجفاء والغلظة في خطاب فرعون لقومه. والغرض من نداء موسى هو تثبيت الذين آمنوا به بتوكّلهم على الله، لأن ذلك يجسّد حقيقة إيمانهم بالعمل، حتى يعتمدوا على الله ويثقوا بنصره، لأن الإسلام الذي جاء شرطه معلّقا على شرط الإيمان في نداء موسى معناه الاستسلام والانقياد للتكاليف الصّادرة عن الله تعالى، وإظهار الخضوع والإجلال لعظمته.