نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06
الجزء ٨ · صفحة ٢٨٦وفعلا فقد كان لذلك النّداء أثره البليغ في نفوسهم فلم يتردّدوا في الاستجابة فورا: (فَقَالُواْ عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)، أعلنوا توكّلهم على الله وحده بصيغة القصر، ثم توجّهوا بالدّعاء إليه مخلصين. ويلاحظ في الدّعاء طلب الوقاية أولا بقولهم:
أ) - (رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ): لأن الفتنة في الدّين هي شرّ ما تصاب به المجتمعات المؤمنة، حين يتسلّط الفسقة الظّلمة فيتمكّنون من ناصية المؤمنين، وفي جوّ الفتنة يكون المفتون والفاتن، وفي كلتا الحالتين هم يسألون الله أن لا يتسلط عليهم الظّلمة فيفتنونهم، وأن لا يفتن بهم غيرهم فيلجوّن في كفرهم وعنادهم.
ب) - طلب السّلامة والنّجاة: (وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)، لأن العيش في كنف الكفر كما يقول فيه قطب الأئمة -رحمه الله-: "معاشرة الأشرار مصيبة تتعب الأبرار وتزيد في فجور الفجّار". وفي كل حالة فإن التّوكّل على الله يقتضي اتخاذ الأسباب التي تحصّن الإيمان والدّين، وتردّ عنهما غوائل الظّالمين المعتدين. وبعد ذلك تستنزل رحمات الله وألطافه بمثل هذا الدّعاء، وقد جاء مثله على لسان إبراهيم والذين آمنوا إذ قالوا بعد معارضتهم وتبرئتهم من عبدة الأوثان (رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ، رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلذِينَ كَفَرُواْ وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَآ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (الممتحنة:4 - 5).