نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06
الجزء ٨ · صفحة ٢٩٦وقد أجيب فرعون في دعوته تلك لطلب الإنجاء الهلاك، والمجيب هو الله على لسان الحال، أو هو جبريل بلسان المقال، أجيب بأسلوب تهكّميّ وتقريعيّ: (ءَالآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ، فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ عَنَ -ايَاتِنَا لَغَافِلُونَ).
(ءَالآنَ): استفهام إنكاريّ أن يكون ذلك الوقت الذي حدث فيه الغرق ظرفا ينفع فيه الإيمان، وفي هذا الرّدّ تيئيس لفرعون من النّجاة في الدّنيا والآخرة، وأضيفت للظّرف جملة حالية: (وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) لتأكيد معنى الإنكار في الاستفهام: (ءَالآنَ)، وذلك لسببين:
أ) - العصيان والتّمرّد على الله حتى إدعاء الرّبوبية.
ب) - الإفساد في الأرض بالظّلم والطّغيان.
وحتى يبقى عبرة للمعتبرين، أخرج الله جثّته الهامدة ليشاهدها من كان يظن أن فرعون لا يلحق به الهلاك والفناء. وقوله: (لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةً)، والظّرف: "خَلْفَكَ" مستعمل للمتأخر والباقي، والمعنيّون الأوّلون هم من يخلفه من الفراعنة وحاشيتهم، بل حتىّ من بني إسرائيل ممن لا تزال رهبة فرعون في نفوسهم. وكم في هذه الآيات من عبر دالة على قدرة الله وعظمته، ولكنّ أكثر النّاس يغفل عنها جهلا أو سهوا، أو قهرا وإذلالا.
ولذمّ الغفلة وسوء عاقبتها في حياة الفرد والمجتمع جيء بالجملة مؤكدة بـ"إن" وبعدم تعميم الحكم على كلّ النّاس، وقال بعض المفسّرين: "لم يعدم فرعون فائدة من إيمانه، فإنّ الله بحكمته قدّر له الخروج من غمرات الماء، فلم يبق طعما للحيتان كبقية جيشه ممن غرق، وذلك أقلّ خزيا منهم".