نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06

الجزء ٨ · صفحة ٣٠٠

الخطاب لرسول الله، والمراد به قومه على أسلوب التّعريض، وهو أسلوب حكيم في الحوار تفاديا لأيّ نفور أو استفزاز للسامع، فيتلطّف به في الخطاب على حدّ قولهم: "إياك أعني واسمعي يا جاره". كما أن استعمال "إِن" الشّرطية بدلا من "إذا" يدلّ على أنّ الشّكّ المذكور هو على سبيل الافتراض لا الحقيقة. وهذا الأسلوب معروف في كلام البلغاء، قد تكرّر في القرآن مثل قوله تعالى بالنّسبة لسيدنا محمد: (لَئِنَ اَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (الزّمر:65). وكقوله في محاورة عيسى عليه السلام يوم يقوم الأشهاد: (اِن كُنتُ قُلْتُهُ’ فَقَدْ عَلِمْتَه) (المائدة:116). وقد روى الأصحاب قال رسول الله في هذا الصّدد: «لا أشكّ ولا أسأل، بل أشهد أنه الحق».

والآية اللاحقة تؤيّد أن المراد بهذه الآية التّعريض بالمكذبين الذين وجّه إليهم الخطاب مباشرة في قوله تعالى: (قُلْ يَآ أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ) (يونس: 104).

والسّؤال هو من وسائل الحصول على العلم إذا كان على نية التّثقيف وطلب المعرفة، كما أن انتفاء المسؤول عنه من أصدق العلماء يورث اليقين والقناعة عند السّائل كما أرشدنا الله تعالى إلى ذلك في قوله: (فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) (النّحل:43).

والمراد بالذين يقرأون الكتاب هم اليهود والنّصارى -أي الصّادقين منهم- فهم الذين يشهدون على تلك الأحداث التي يرويها القرآن من قصص الأنبياء مع أقوامهم، لأنهم يقرأونها في كتبهم لا يستطيعون إنكارها.

وشهادة أهل الكتاب على ما في قصص القرآني هي وسيلة كبرى للتصديق عند الشّاكين المكذّبين، وللتّدعيم والتّثبيت عند المؤمنين المصدّقين، لأنها أقرب إلى الواقعية المتعارفة بين النّاس.

٢٬٥٢٦ / ٦٬٢٠١