نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06
الجزء ٨ · صفحة ٣٠٥تصدّرت الآية بأداة التّحضيض "لَوْلاَ"، وبما أنها دخلت على فعل ماض فإنها تفيد أنّ مدلوله لم يقع. وأهل القرية هم من مرّ ذكرهم ممن لم يؤمن برسل الله، فلم ينفعهم إيمانهم حين نزل عليهم العذاب، فكانوا ممن حقت عليهم كلمات ربّك، والغرض من ذكر ذلك هو التّعريض بأهل مكة -كما تقدم-، فهم يوشكون بإعراضهم عن رسول الله أن يحدث لهم ما حدث لأهل القرى بنزول العذاب عليهم، كما جرت سنّة الله فيمن سبق من الأقوام. فهلاّ كانوا مثل قوم يونس، إذ آمنوا قبل نزول العذاب عليهم، فكان ذلك سببا لرفع العذاب عنهم، وصرف الله عنهم الذّلة والهوان في الدّنيا، وبقوا يتمتّعون بخيرات قراهم حسبما قدّر الله لهم من آجال أعمارهم، فقد بادر قوم يونس بالإيمان عندما فارقهم رسولهم مغاضبا، إذ خرج قبل أن يأذن له بذلك، فكان له ذلك التّأديب من الله في ظلمات البحر وفي بطن الحوت كما قال تعالى في سورة الصّافات: (فَلَوْلآَ أَنَّهُ’ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ، لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (143 - 144).
وبذلك الخروج تفطّن القوم إلى صحة ما يتهدّدهم من العذاب، كما أن حجّة الله بإبلاغ رسوله لم تتم، وبالتّالي لم تحقّ عليهم كلمة العذاب، فصحّ بذلك استثناؤهم من جريان سنّة الله، فلا خصوصية لهم في ذلك. وتاريخ الدّعوة الإسلامية في بيان إسلام أهل مكة خصوصا والعرب عموما، ودخولهم في دين الله أفواجا بعد الفتح، يندرج في مثل هذا الاستثناء، أي بمبادرتهم إلى الإيمان قبل حدوث العذاب، والله أعلم.
ولما كان الرّسول صلى الله عليه وسلم كما وصفه الله حريصا على إيمان النّاس، عطف الله على قصة يونس وقومه بيان القاعدة العامّة في الكفر والإيمان وفق مشيئة الله فقال تعالى: (وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لأَمَنَ مَن فِي الاَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً اَفَاَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُومِنِينَ).