نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01

الجزء ١ · صفحة ٢٥٦

نفى الله تعالى نفيا تأبيديا بـ"لن" رضى اليهود والنصارى عن ملة الرسول إلاّ أن يتبع ملتهم وهي ما هم عليه من الدين والشريعة، أفرد لفظ الملة وإن تعددت مشاربهم وأهواؤهم فيها، لأن الكفر ملّة واحدة، وقد كان رسول الله يلاطفهم طمعا في إيمانهم-كما تقدم- فجاءت هذه الآية لتسدّ منافذ الرجاء في الحصول على رضاهم -لأن جعل ذلك مُغيّا باتباع الرسول لملتهم وهو أمر مستحيل يجعل ذلك الرضا مستحيلا، وكل من اليهود والنصارى يندرج في هذا النفي المؤبد على حدّ سواء، بدليل التصريح بلا النافية بعد حرف العطف بينهما إذ قال تعالى: (وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى)، ذلك لأن الفريقين لا يصدّقان برسالة الإسلام أنها كتاب من الله بمنزلة ما عندهم من التوراة والإنجيل، وبالتّالي فهم يعتبرون أن هدى الله حِكر عليهم، فأمر الله رسوله أن يجهر بالحقّ، وأنّ الهدى الحقيقي هو ما أنزله الله على رسله، والذي جاء القرآن متمّماً له ومصدّقاً لما بين يديه، وكاشفاً للزّيف الذي أضافه اليهود والنصارى إلى كتبهم، ثمّ حذّر الله نبيئه من أن يتّبع أهواءهم ممّا حرّفوه أو وضعوه، لأنّ ما أنزل الله عليه هو الهدى الكامل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وقد أكّد حكمه بعدّة مؤكّدات، وما أبدع التّعبير بكلمة (أَهْوَآءَهُم) بدلاً من (مِلَّتَهُمْ) في التّحذير من الاتّباع، وذلك للتعريض بأنّ ما هم عليه يومئذ ليس بالهدى الخالص الذي جاء من عند الله كما يزعمون، وقوله تعالى: (مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَّلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ) أي أنّك لا تلقى نصراً ولا تجد سنداً من الله فيما ترجوه، ويراد بهذا التّحذير مجموع الأمّة، وجاء من خلال التحذير لرسول الله، لأنّه القدوة، … وإلاّ فما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يساوم في حقّ دينه، ولا أن يستخفّه الطّمع لاسترضاء اليهود والنّصارى: (أَلَمْ يَانِ لِلذِينَ ءَامَنُوا أَن تَخْشَعَ

٢٥٦ / ٦٬٢٠١