نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01
الجزء ١ · صفحة ٢٥٧قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ) (الحديد:16).
وحتّى لا ينقطع حبل الرّجاء من مجموع أهل الكتاب، جاء الاستدراك النّاشئ عن قوله تعالى: (وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى) بأنّه لا يزال فيهم من هو منصف يميّز بين الحقّ والباطل، ويتدبّر معاني الكتاب بتفكير حرّ، ويؤمن به عن اقتناع، فقال تعالى: (الذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ، حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُومِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَّكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ):
والمقصود بالكتاب التّوراة والإنجيل كما يدلّ عليه السّياق، وقيل: المقصود هو القرآن لعموم الجنس، ولا تنافي، لأنّ بيان نوعية التلاوة عن تدبّر وإمعان وعدم التحريف يجعل التّالين للتوراة والإنجيل يؤمنون بما في القرآن، كما يجعل التّالين للقرآن يؤمنون بما هو الحقّ في التوراة والإنجيل، فالإخبار باسم الإشارة عن جملة (الذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ) أي بقوله: (أُوْلَئِكَ يُومِنُونَ بِهِ) يُثبت جدارتهم بالإيمان بالكتاب، وإن كان الضّمير في "به" يمكن أن يراد به النّبيّ أو الهدى الذي جاء به من الله، غير أنّ نظم الكلام على أهل الكتاب يقتضي عود الضّمير إلى "الكتاب" ممن آمن منهم بمحمد عليه السلام وحسُن إيمانه كعبد الله بن سلام من اليهود وعديّ بن حاتم من النّصارى.