نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06
الجزء ٨ · صفحة ٣٥٥أ) - (أُوْلَئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِي الاَرْضِ): أي إذا كان الله قد أمهلهم في الدّنيا وأرخى لهم العنان استدراجا وإملاء لهم وفق حكمته تعالى في تدبير شؤون خلقه، فلا يعني ذلك أنهم منفلتون من قبضة الله، فليس لهم مهرب في أرض الله، إذ لو شاء لعذّبهم كما فعل بغيرهم من الأمم الخوالي.
ب) - (وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ اللهِ مِنَ اَوْلِيَآءَ): فإذا انتفى المهرب من الأرض -وهو من أسباب النّجاة- فإن انعدام ناصر يلتجئون إليه ليكون ملاذا لهم من عذاب الله يزيد في ضياعهم وهلاكهم وبذلك تنقطع حيلتهم في الخلاص من عذاب الدّنيا والآخرة. ويندرج في لفظ: "اَوْلِيَآءَ" تلك الأصنام التي عبدوها من دون الله، واستنصروها جهلا وغباوة.
ج) - (يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ): ومضاعفة العذاب لهم، قيل: لكفرهم في نفسه. ويقول الإمام الرّازي: "والأصوب أن يقال إنهم مع ضلالهم الشّديد سعوْا في الإضلال ومنع النّاس عن الدّين الحق".(1)
قلت: ويؤيّده قوله تعالى بسورة الأعراف: (قَالَتُ اخْرَاهُمْ لِأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَؤُلآَءِِ اَضَلُّونَا فَأَتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ النَّارِ) (38).
وقال في سورة ص: (قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ) (61).
د) - (مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ): والمراد ما كانوا عليه من الصّمم والعمى المعنويّ باستغلاق قلوبهم في الضّلالة ودنس نفوسهم بالكفر والشّرك، بحيث يكرهون سماع القرآن وما فيه من البيّنات، وعلى أبصارهم غشاوة، فلا تنكشف لهم نصاعة الحق.
(1) 1 - الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، 17/ 206.