نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06
الجزء ٨ · صفحة ٣٧٤(فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ): من الابتئاس: اشتداد البؤس والحزن بسبب إصرارهم على الكفر. (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا): الْفُلْك: السّفينة ويطلق على المفرد والمؤنث، وقد ذكرها الله في سورة القمر بالوصف فقال تعالى: (وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ) (القمر:13)، أي أخشاب ومسامير، كما ذكرت السّفينة في سورة العنكبوت: (فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ) (15). (بِأَعْيُنِنَا): الأعين: استعارة للرعاية والمراقبة، والوحي: لبيان كيفية صنعها. (وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ): جيء بالمضارع لاستحضار الحالة للسامع بأن نوحا بصدد العمل. (وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ): الجملة في موضع الحال. (وَكُلَّمَا): مركبة من "كل" و "ما" الظّرفية، وهي من العموم مع الظّرفية أشربت معنى الشّرط. (سَخِرُواْ مِنْهُ): يقال: سخر منه وسخر به، أي استهزؤوا بعمله ذاك إذ كانوا لا يتصوّرون فائدة ذلك العمل. (فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ): سخرية نوح ومن آمن معه تعني استجهال الكافرين بسفه عقولهم، ووجه التّشبيه بين السّخريتين هو التّشبيه في السّبب الباعث على السّخرية. (حَتَّى إِذَا جَآءَ امْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ): حتى لغاية إتمام صنع الفلك، ومجيء أمر الله بمعنى تقدير إهلاك الكافرين بالغرق، (وَفَارَ): يفور فورانا وهو غليان القدر. و (التَّنُّورُ): المكان الذي يخبز فيه الخبز. ويقال: التَّنُّورُ لضفة الوادي. ويستعمل: (فَارَ) في الحقيقة والمجاز، فيقال: فار الماء من العين إذا علا وارتفع، ويقال: فار الغضب من فلان، وهو هنا اشتداد غضب الله على المشركين. ولذلك اختلف المفسرون في حمل التّعبير على الحقيقة وعلى المجاز.