نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06
الجزء ٨ · صفحة ٣٧٨جعل الله لبدء الكارثة علامة، وهي فوران التّنور بالماء، والتّنور له معان مختلفة في كلام العرب، فهو موقد الخبز من مأوى الإنسان، وهو وجه الأرض كما يراه ابن عباس، وهو ضفة الوادي. هذا إذا أجرينا معنى اللّفظ على حقيقته، وفي الدّلالة المجازية يكون تعبيرا على غضب الله الشّديد، أي تمثيل للشيء إذا بلغ أقصى مداه مثل قولهم: "حمي الوطيس وفاض الكأس".
وإذا كان لنا أن نستعين بما ورد في الآيات الأخرى حول الحادثة، فإنّه تعالى يقول في سورة القمر: (فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ السَّمَآءِ بِمَآءٍ مُّنْهَمِرٍ، وَفَجَّرْنَا الاَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَآءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ، وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ) (11 - 13). فيكون التّنور في مجال مشاهدة نوح قد فاضت منه إحدى تلك العيون التي فجّرها الله على وجه الله ليعرف منها بدء الكارثة، فيأتي أمر الله بتعبئة السّفينة بحيث تحتوي حمولتها على العناصر التي تستبقي الحياة على وجه الأرض من الإنسان والحيوانات البريّة الأخرى:
أ) - أن يأخذ من أزواج كلّ الحيوانات ذكرا وأنثى، و"كلّ" المضافة تدل على العموم، ومعنى ذلك أن يحمل منها ما يقدر على إمساكه في ذلك الحيّز من المكان، وذلك حفاظا على أصول الأنواع.
ب) - أن يحمل معه أهله، وهم نساؤه وأولاده وأزواج أولاده، واستثنى منهم من بقي على الكفر، كما تفصّل القصة الآتية لولده، وكذا إحدى امرأتيه التي رضيت بالكفر، كما ورد ذكرها في سورة التّحريم.
ج) - ويحمل معه كل من آمن من قومه، ولم يذكر النّص شيئا من التّفصيل لكيفية جمع تلك الحيوانات، ولا لعدد من آمن به من قومه إلا ما بيّنه النّص من أنهم قليل. قال ابن عبّاس: إنّهم ثمانون ما بين الرّجال والنّساء.