نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06
الجزء ٨ · صفحة ٣٨٣في هذا النّصّ تتمّة القصّة في مشهد رهيب مؤثر، فقد امتثل نوح لأمر الله، وعبّأ سفينته بمن كتب الله لهم النّجاة وهم يحرّكونها باسم الله، والطّوفان في هياج شديد، وقد رسم الله صورة هوله بالأمواج العاتية ترتفع كالجبال، ونوح الأب يتفقد من في السّفينة قبل انطلاقها، كما يفعل الرّبّان المحنّك المتحمّل لمسؤوليته التّامّة قال تعالى: (وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ’ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ، قَالَ سَأَوي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَآءِ قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنَ اَمْرِ اللهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ).
تبدو رحمة الله ورعايته لهذه الطّائفة المؤمنة في صورة حيّة بديعة، كيف يسّر لها تلك الوسيلة التي تضمن نجاتها في وسط الأمواج العاتية، وهي تجري بهم هكذا بصيغة المضارع حتى لكأنّ السّامع يشاهد المنظر في ترقب وإشفاق.
ونوح الرّبّان المحنّك وهو يتأهب للانطلاق، لا يجد بين أهله الرّاكبين ولده العاق. وقيل: اسمه "يامّا" وقيل: "كنعان"، إذ انعزل عن الرّكب لاختياره الكفر، والاعتداد بقوته في الصّعود إلى جبل عال يعصمه من الماء، وبعاطفة الأبوّة الحنونة نادى نوح ابنه بـ"يا بنيّ" يرجوه أن يقلع عن كفره ليركب مع النّاجين المؤمنين. ومع تمادي الولد في العصيان، ظنا منه أن يجد من الجبل منقذا من الغرق، يجيبه نوح إجابة الواثق بعظمة الخالق ورحمته بخلقه، وأنه لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم، وأمر الله هو قضاؤه بحدوث ذلك الطّوفان الذي تعجز أمام عظمته حيلة الإنسان ووسائله، فلا ينجو منه إلاّ من رحمه الله وكتب له وسيلة النّجاة، ومن مظاهر رحمته أمره لنوح بصنع تلك السّفينة.