نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06
الجزء ٨ · صفحة ٤١٩الإشارة إلى صيغة الجمع: (هَؤُلآَءِ بَنَاتِي) ترجّح ما ذهب إليه بعض المفسّرين أنّه يريد بنات قومه على اعتبار أنه أبوهنّ الرّوحي، إذ لم يكن له من صلبه إلا ابنتان. وقوله: (هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ) دليل على أنه لا يقصد السّفاح -وحاشا لنبي مرسل أن يصدر عنه ذلك-، وقد بالغ في وصفهن بالطّهر؛ لأن صيغة التّفضيل هنا يقصد بها المبالغة، فالطهر لا يكون إلا في الزّواج الشّرعي الذي جعله الله لذّة مشروعة لكبح الشّهوة وضمان استمرارية النّسل البشري دونما تلوّث بقاذورات الفاحشة. ويرجّح هذا الاحتمال أن الذين جاؤوا إليه من قومه كانوا كثيرين، فيلزم أن يكون عَرْضُه للنّساء الطّاهرات بحسب ذلك العدد.
ثم جمع بين أمرهم بتقوى الله ونهيهم عن خزيه وامتهانه أمام ضيوفه: (فَاتَّقُوا اللهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي)، وفي موقف السّفاهة والغواية يتعطّل صوت العقل وتغيب الشّهامة والمروءة، فليس للمخاطب السّفيه إلا أسلوب الإنكار والتّوبيخ فقال لوط: (أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ)؟، فهم كلّهم متمالئون على الباطل غارقون في السّفاهة، كما تدلّ على ذلك إجابتهم له بقولهم: (لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ). لقد أصرّوا على موقفهم الخبيث، إذ أكّدوا لرسولهم ما يريدونه من إتيان ضيوفه، وأنهم ليس لهم أرب في النّساء اللّواتي عرضهن عليهم وهو يعلم ذلك، فلا فائدة في محاولة صدّهم، لأن البديل الذي عرضه عليهم ليس لهم فيه رغبة، فماذا كان موقفه أزاء ذلك الإصرار الخبيث؟.
(قَالَ لَوَ اَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً اَوَ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ): إنه جواب اليائس الذي ليس له من تغيير الواقع المنكر إلا الأماني، إذ يفتقد القوة التي يستطيع بها مدافعة ذلك المنكر فالقوم ليسوا من عشيرته.
ولضمير الخطاب: (قَالَ لَوَ اَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً): احتمالان: