نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06
الجزء ٨ · صفحة ٤٣٠ويأتي الرّدّ الجميل من شعيب، وهو لا يستفزّه الهزء والتّهكم من قومه، بل هو أسلوب التّودّد بأواصر القربى: (يَا قَوْمِ)، وأسلوب التّلطّف في الحوار: (أَرَآيْتُمُ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً)، أي أخبروني عن شأني وشأنكم، إذ أنا على يقين وثقة بما يوحي إليّ من ربّي لأبلّغه إليكم، وجواب: "إِن" مقدّر يدلّ عليه السّياق وتقديره: ماذا يسعكم في تكذيبي، أو كيف تكون عاقبة أمركم؟. ذلك في جانب دعوته لإصلاح الاعتقاد، ثم عطف عليه قوله: (وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً)، ليشاكل به قولهم: (أَوَ اَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَآؤُاْ)، إذ كان ذا مال وفير مثلهم، ولكنه جمعها بطرق حلال دونما تطفيف ولا بخس لحقوق النّاس بحيلة أو غشّ. فماذا عساه يقول لهم من غير ذلك النّصح الأمين، وماذا يفعل معهم من غير أن يكون له قدرة صالحة في ما يدعوهم إليه؟.
ولذلك أعقب ذلك الاستفهام بقوله: (وَمَآ أُرِيدُ أَنُ اخَالِفَكُمُ إِلَى مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ)، أي لم أكن أنهاكم عن شيء وأنا أفعله، لأحقق بذلك لنفسي نفعا؛ لأن فعل "خالف" يتعدّى بـ"إلى" فيفيد التّولّي والإعراض عن الشّيء، ويتعدّى بـ"عَن" فيفيد الإقبال على ذلك الشّيء. والمقصود هو بيان أن دعوته تلك في الأوامر والنّواهي تأخذ الطّابع العامّ فتعمّ الدّاعي والمدعوّين: (إِنُ ارِيدُ إِلاَّ الِاصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيَ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ)، جيء بصيغة القصر لبيان معنى الجملة السّابقة وذلك بإثبات قصد الإصلاح العام في ما يعود على الحياة الفردية والاجتماعية بالخير والصّلاح، وذلك في حدود الاستطاعة ممّا هو من المجهود البشريّ المطلوب، ثم بعد ذلك يرجى نجاح المسعى من الله تعالى مستمدّا منه العون والتّوفيق.