نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06

الجزء ٨ · صفحة ٤٣٢

وهاهم يلجّون في عنادهم ويتمادون في الإعراض: (قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ، قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِيَ أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَاتَّخَذتُّمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً اِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ، وَيَا قَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمُ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَّاتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُواْ إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ).

ينتقل الحوار من أسلوب اللّين والرّفق إلى أسلوب التّحدّي والعنف، فهم من حيث الفهم الدّقيق لما يقوله رسولهم ليسوا بالمستغلقين عن الفهم، إذ كان شعيب عليه السلام من حيث الفصاحة خطيب الأنبياء -كما وصفه رسول الله-، ولكن القوم كانوا يتبلّهون أمام ما يسمعون، لأنه جاء مخالفا لما يألفون. ومن طبيعة الإنسان أن يزورّ ويأنف مما لا يلائم مزاجه ولا يوافق توجّهه فيكون منه الاشمئزاز مما يسمعه، وهذا كقول المشركين لرسول الله: (وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ وَفِي ءَاذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنم بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ) (فصلت:5)، إذ أصبح فيهم رسولهم بتلك المنزلة، فهم يرونه ضعيفا لا يملك عزّة ولا منعة، وهم بذلك يدينونه بما يستحق عليه العقاب الذي بيّنوا نوعيته بقولهم: (وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ)، فلا قيمة ولا وزن عندهم للقيم التي يحملها رسولهم، وبالتّالي لا يرون القوة والمنعة إلا في الأسباب المادية، ولا يلتمسون النّصرة والتّأييد إلا من الرّهط والقبيل. وتلك هي المعايير الجاهلية منذ أن ارتطم الإنسان في حماتها، وهي تأخذ أشكالا مختلفة في كل زمان ومكان.

٢٬٦٥٨ / ٦٬٢٠١