نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 06
الجزء ٨ · صفحة ٤٤٥ب) - (فَذَكِّرْ بِالْقُرْءَانِ مَنْ يَّخَافُ وَعِيدِ) (قّ:45).
وللتنويه بشأن ذلك اليوم ذكر الله له صفتين تميّزانه في المجال الكونيّ العظيم:
أ) - (ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ): فهو يوم مهول بزحمة الحشر للخلائق كلّها، وجيء بصيغة اسم مفعول في الإخبار عن ذلك اليوم لإفادة معنى الثّبات لمعنى الجمع حتى سمّاه الله تعالى يوم الجمع في قوله: (يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ) (التّغابن:9).
ب) - (وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ): فهو شهود خاص، تشهده الخلائق كلّها على مختلف أنواعها في عالم الشّهادة أو عالم الغيب، وهو مشهود -أيضا- لما يتمّ فيه من المحاسبة والحكم بالعدل أمام ملك الملوك، فلا ظلم ولا محاباة، ولا خلّة ولا شفاعة.
ج) - (وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ): في هذه الجملة ردّ على منكري البعث المغترّين برتابة النّظام الفلكي ودوامه النّسبي لعمر الإنسان القصير، إذ يستعجلون وقوعه تهكّما واستهتارا وإمعانا في الكفر والضّلال، وقد ردّ الله عليهم ذلك الوهم فقال في سورة الشّورى: (يَسْتَعْجِلُ بِهَا الذِينَ لاَ يُومِنُونَ بِهَا وَالذِينَ ءَامَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلآَ إِنَّ الذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ) (18).
بيّن الله في هذه الآية وفي آيات أخرى من القرآن أن للكون العظيم أجلا محدودا في علم الله كبقية الموجودات الأخرى، وما كان محدود النّهاية فهو زائل -لا محالة- مهما امتدّ أجله، وما تأخيره بالنّسبة لحياة الموجودات الأخرى إلاّ مظهر من مظاهر رحمة الله على خلقه إعطاء الفرصة لهم في إصلاح أحوالهم وتعديل أوضاعهم، كما كان من تمام حكمته أن لا يطّلع أحدا من خلقه على ذلك الأجل المحدود.