نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01

الجزء ١ · صفحة ٢٦٨

وعلى ذكر مناقب إبراهيم جاء ذكر البيت الحرام في معرض التذكير للمشركين بتلك النعمة التي بوأتهم في قومهم منزلة عظمى، وما كان لهذا البيت من خصائص ومزايا، فقال جلّ من قائل: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخَذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَآ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ):

الآية معطوفة على سابقتها (وَإِذِ اِبْتَلَى … ) وهي تذكير للعرب القرشيين بالأخصّ بنعمة البيت الحرام -وهم سدنته- وكان لأبويهم إبراهيم وإسماعيل فضل بنائه، كما أن لهذا البيت شرف الإضافة إلى الله (أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ)، وقد أصبح لفظ البيت علما بالغلبة على الكعبة، وقد أضفى الله عليها من الخصائص والفضائل ما جعلها مقدّسة وهي تعدّ أشرف بقعة على وجه الأرض، كما بيّن ذلك في سورة "آل عمران" ومن تلك الخصائص أنها:

أ مثابة للناس: يدلّ لفظ المثابة على القصد والزيارة، ويدلّ في أصل معناه على الرجوع، وذلك أن الذين يقصدونه للعبادة يشتاقون الرجوع إليه، كما أن اللفظ يحمل معنى اللياذ إليه عند الخوف، وهو ما تدلّ عليه الخصيصة الثانية.

ب وأمنا: أي أمنا للناس، فهو ملاذ للخائف ومكان للطمأنينة، حتى كان الرجل يرى قاتل أبيه في الحرم فلا يؤذيه ولا يزعجه، والناس يعرفون ذلك ويتوافقون عليه في الجاهلية … والإسلام.

وأخبر عن البيت بمصدر الأمن، وهو سبب أو مكان له مبالغة في جعله كأنه نفس الأمن، وإطلاق اللفظ هو للدلالة على الشمول فيتناول كل أنواع الأمن في كل الأحوال بما يناسبها، وإن اختلفت أقوال العلماء في تحديدها وتفسيرها.

والعرب يدركون هذه المنّة ويقدّرونها حقّها، وقد امتنّ الله بها عليهم في عدّة أماكن من القرآن الكريم. ومن ذلك قوله تعالى:

٢٦٨ / ٦٬٢٠١