نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01

الجزء ١ · صفحة ٢٦٧

(قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِيَ الظَّالِمِينَ): إن الإمامة -والمراد بها هنا الرسالة- هبة من الله يصطفي بها من يشاء من عباده، ولا تنال بكسب ولا محاباة، والجملة مفصولة عما قبلها للدلالة على ذلك، واختيار لفظ "الإمامة" بدلا من "الرسالة" لتشمل التبليغ المباشر لقومه، والقدوة لغيرهم من الناس، فإن الواقع التاريخي يشهد على ذلك، إذ كثرت تجوالاته في العالم القديم يدعو الناس إلى عبادة الله وحده، والإمامة مجالها واسع، من الإمامة الكبرى في المجال السياسي للأمة، إلى الإمامة في الصلاة، وأضيقها دائرة مسؤولية الرجل في بيته لأهله وأولاده (قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي) أي واجعل أئمة من ذريتي بصيغة عطف التلقين كما حقّقه اللغويون وعرّفوه بأنه زيادة السامع إلى كلام المخاطب، و"من" تبعيضية، لأن الإمامة لا تخوّل لكل الذرية؟، وذلك من تمام آدابه مع الله في الدعاء، إذ راعى سنن الفطرة ولم يطلب المستحيل، ويا ما أسلم تلك الفطرة وهي ترجو استمرار الخير والصلاح في عقبها …

غير أن جواب الله تعالى جاء متضمّنا لاستجابة الدعاء ومصرّحا بذكر المانع من الحصول على الإمامة وهو "الظلم" ويشمل كل أنواع الظلم، لأن الملك لا يستقيم على الظلم، وجاء التعبير بكلمة "العهد" مضافة إلى رب العزّة للتنويه بشأنه، وتعريضا بعهد الله لبني إسرائيل والذي لم يوفّوا به، فكانوا من جملة الظالمين ممن يحرمون من منصب الإمامة، لأنها ليست بإمامة جنس ولا عرق ولا عصبية، بل هي إمامة الدين والعقيدة التي لا تعترف بالفوارق الجنسية ولا بالحدود المادية المزيفة، وقد أطال العلماء في بيان شروط الإمامة العظمى أو شروط إمامة القضاء تطلب من مظانّها في الموسوعات الفقهية.

٢٦٧ / ٦٬٢٠١