نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01

الجزء ١ · صفحة ٢٧٠

وإنما كان للبيت الحرام تلك الحرمة وذلك التشريف بالإضافة إلى ذات الله العلية (بَيْتِي) والمنزهة عن صفات الأجسام ليكون رمزا لقداسة المعبود يستحضره المتعبّدون في صلواتهم وابتهالاتهم، حتى لكأنهم في حضرة الله العلي، إذ هم عاجزون عن التوجّه إلى موجود غيبيّ مطلق الكمال والوجود لا يحدّه زمان ولا مكان، وتلك إحدى مميزات الإسلام في مراعاة ضعف الإنسان وعجزه عن إدراك كنه الذات العلية، فجعل البيت بتلك المنزلة من الحرمة والقداسة يندرج في نهج التربية الواقعية للمسلم في تقيده بالأسباب، مع توجّهه المخلص إلى خالق الأسباب في ما يعلو عن مداركه الضيّقة.

وقوله تعالى: (لِلطَّآئِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) بيان لأنواع العبادات، وهذه الصور من العبادات هي من أعظم ما يتقرّب به العبد إلى الله، وهي عبادات قديمة في الديانات السابقة، وإن اختلفت أشكالها. قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اِجْعَلْ هَذَا بَلَدًا -امِنًا وَارْزُقَ اَهْلَهُ، مِنَ الثَّمَرَاتِ مَن -امَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ، قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ، إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِيسَ الْمَصِيرُ):

عطف على الآية السابقة لتعداد منن الله على ذرية إبراهيم وإسماعيل، وقد توجّه إبراهيم إلى ربّه بهذا الدعاء الذي يفيض رقّة وحنانا لذريته إذ يطلب من مولاه أن يوفّر لهم الأمن والهناء والرزق المضمون والإشارة بـ "هذا "مراد بها المكان الذي وقع فيه الدعاء -أي مكة المكرمة- محضن امرأته "هاجر" وولدها إسماعيل وتوفير الأمن والغذاء هو ممّا يمكن المؤمنين من القيام بواجباتهم الدينية.

والتذكير بهذه النعمة للعرب المشركين تعريض بهم لما هم عليه من الكفر والشرك، وتحريض لهم على الإيمان ليكونوا حقّا على ملّة إبراهيم كما يدّعون وليكونوا أحر ياء بسدنة البيت.

٢٧٠ / ٦٬٢٠١