نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 07
الجزء ٩ · صفحة ٥٩وحسن الصّحبة يقتضي النّصح حين يجد الصّاحب الوفيّ أصحابه على غير هدى. فهؤلاء المساجين هم بحكم الإرث والتّقليد لآبائهم من القدماء المصريين يعبدون ءالهة متعدّدة. فيبادرهم يوسف بالاستفهام التّقريريّ: (ءَآرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ اَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ)؟؟ … ومن دقة التّعبير في القرءان الكريم. أن يجمع في السّؤال التّقريريّ بين صفة الرّبّ وصفة الإله. ليقرّر بذلك وجوب التّطابق بين الصّفتين في الوحدانية والإرادة القاهرة في تدبير شؤون الملك. لأن الجاهلية قديما وحديثا هي التي أحدثت ذلك الانفصام النّكد بين الصّفتين. لذات الخالق المعبود. فجعلت ما لله لله وما لقيصر لقيصر. وأعطت الجانب العاطفي الوجداني لله، بينما أبقت الحاكمية الدّنيوية لقيصر. فكانت تلك الأرباب المتفرقة رموزا للملوك والقياصرة المستبدّين، ألم يقل فرعون لقومه: (أَنَاْ رَبُّكُمُ الاَعْلَى) (النّازعات:24).؟؟ … وبما أن المخاطبين كغيرهم من المشركين. لا ينكرون وجود الله ولا ينفون عنه قدرة التّصرّف والتّدبير لشؤون الكون، فهم مجبرون للإقرار بخيرية الله الواحد القهّار. مما جعل يوسف عليه السلام يرتب على ذلك تسفيه تلك الأرباب: (مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّآ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ اِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلهِ): أي أزاء الملة الصّحيحة التي يتبعها يوسف وءاباؤه، وهي التي تدين لإلاه واحد بيّن لهم حقيقة ءالهتهم المتعدّدة بأنها باطلة إذ لا وجود لها إلا في أوهامهم المريضة درجوا هم وءاباؤهم بوضع أسماء لها انتحلوها بأنفسهم لغير مسمّيات لها مقوماتها الحقيقية. وما أنزل الله في شأنها حجة ولا برهانا. فهي لا مستند لها من دليل عقليّ ولا شرعيّ.