نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 07
الجزء ٩ · صفحة ١٠٣(ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِّعَآءِ اَخِيهِ): الضّمير يرجع إلى "السّقاية" التي هي بمعنى الصّواع، والعطف "بثم" يدلّ على أنه كان هناك نوع من التّرقب الحذر من طرف الإخوة بعد أن فرغ الغلمان من تفتيش أوعيتهم ولم يجدوا شيئا. قيل إن يوسف قال عندها، إذ لم يبق إلا وعاء أخيه قال: "ما أرى هذا قد أخذ شيئا" فقالوا: لا نذهب حتى تفحص عن حاله أيضا. فلما استخرجوا الوعاء من رحله، فقد صار ذلك سببا لتمكن يوسف من إمساك أخيه عنده، تطبيقا للحكم الذي اختاروه هم بأنفسهم، وذلك هو تفسير قوله تعالى: (كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَاخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّآ أَنْ يَّشَآءَ اللَّهُ): أي كان ذلك من تدبير الله ألهم به يوسف، ولولا ذلك ما كان يستطيع يوسف أن يبقى أخاه عنده لأن شريعة مصر لا تخوّل له ذلك. (نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَن نَّشَآءُ): رفع الدّراجات استعارة لشرف المقام وعلوّ المنزلة التي حبا الله بها يوسف في الدّرجة الأولى إذ هداه لذلك التّدبير الحكيم. ثم أخيه بإلحاقه ليوسف في رغد العيش وتعلم الحكمة منه، ثم من بعد ذلك لأبيه وإخوته في ما يستقبلهم من التّكريم عند الالتحاق به. وهذا الوصف هو نفسه ما وصف الله به إبراهيم عليه السلام وهو يندّد على قومه في الإشراك بالله فقال تعالى في سورة الأنعام: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَاهَآ إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَن نَّشَآءُ اِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) (83).
كما أضفى الله ذلك الوصف بصفة عامّة على الذين ءامنوا والذي أوتوا العلم فقال تعالى: (يَرْفَعِ اللَّهُ الذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَالذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) (المجادلة:11).