نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01

الجزء ١ · صفحة ٢٨٢

والسؤال بـ"ما" دون "من" فيه إيحاء وتعريض بمن يعبد غير الله من مخلوقاته العاقلة وغير العاقلة، وفي صيغة السؤال حكمة ودهاء لسبر المعتقد الصحيح حسبما يقصده السائل من وراء الإجابة عنه، إذ قالوا: (نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ ءَابَآئِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ، مُسْلِمُونَ)، ذكروا المعبود الحق بوصف "الألوهية" مضافا إلى آبائهم دون ذكر لفظ الجلالة "الله" لما في ذلك من بيان قدوتهم لآبائهم وهم الذين رفعوا لواء التوحيد وحاربوا الوثنية وهم بتلك الإجابة يبرهنون لأبيهم على حسن تمسّكهم بالعقيدة التي نشّأهم عليها، وفي إقحام … "إسماعيل" معهم وهو عمهم تغليب للأكثر ولأن العمّ صنو الأب كما ورد في الحديث:» احفظوني في العباس بقية آبائي «(1)، ثم إنّ إسماعيل جد للعرب ولنبيئنا محمد صلى الله عليه وسلم وذكره في ذرية إبراهيم هو إيحاء بوحدة الدين الذي هو الإسلام، وهو ملاك الوحدة في الملة، وإن تعدّدت أنسابها، ولتركيز صفة الوحدانية في الإله المعبود قالوا بأسلوب البدلية (إِلَهًا وَاحِدًا) نفيا لأيّ تعدّد موهوم، حالة كونهم مسلمين خاضعين له. وفي اختيارهم لوصف (مُسْلِمُونَ) إيحاء لليهود الأخلاف المعارضين للإسلام بأنهم ليسوا على طريقة أسلافهم في الإيمان والعقيدة، وذلك ما يؤكده قوله تعالى: (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْئَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ):

الإشارة (تِلْكَ أُمَّةٌ) عائدة إلى إبراهيم ويعقوب وبنيهم، وإنها أمة قد طواها الزمان في القرون الخوالي، لها ما كسبت من ثواب أعمالها مدخرا عند الله يجزيهم به وحدهم.

(1) - رواه الطبراني عن علي بن أبي طالب في المعجم الأوسط، حديث 4209 (4/ 283)، وفي المعجم الصغير، حديث 572، (1/ 344).

٢٨٢ / ٦٬٢٠١