نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 07
الجزء ٩ · صفحة ١٣٨(ذَلِكَ مِنَ اَنبَآءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمُ إِذَ اَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ):
أشار الله تعالى إلى كل ما تقدم من أنباء القصة ليسترعي انتباه السّامعين إلى ما فيها من عظات، وأنها من الغيب الذي لا يعلمه النّاس. لولا أن الله العليم بشؤون خلقه أوحى إليك -أيها الرّسول- بأنبائها، وأن ذلك دليل واضح على صدق نبوءتك، لأنك ما جلست إلى معلّم وما طالعت أسفار الأولين. (وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَّرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ) (العنكبوت:48). ثم إنك لم تكن حاضرا مع إخوة يوسف عندما كانوا يدبّرون مكيدتهم لأخيهم بإلقائه في الجبّ. فالإتيان بمثل هذه القصة العجيبة على طولها وحسن بيانها هو ءاية قاطعة على أنها من وحي الله، وبما المشركين واليهود قد طلبوا من رسول الله أن يذكر هذه القصة على وجه التّعجيز والتّعنت، فإن الرّسول عندما تنزلت عليه كان له مطمع في إيمانهم ولكن الله تعالى أيأسه من ذلك فقال: (وَمَآ أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُومِنِينَ): وبما أن الحرص هو شدة الطّلب للتحصيل على الشّيء، فإن الجملة دليل على مدى اجتهاد رسول الله وحرصه الشّديد على إيمان كل من دعاهم إلى رسالته، حتى كان الله يلومه على إعنات نفسه بمثل قوله:
(إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنَ اَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَّشَآءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (القصص:56). (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُواْ مُومِنِينَ) (الشعراء:3). (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى ءَاثَارِهِمُ إِن لَّمْ يُومِنُواْ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً) (الكهف:6).
وقوله: (وَمَآ أَكْثَرُ النَّاسِ): الخ وإن دلّ على العموم فإن أهل مكة هم أولى من تصدق عليهم، ولذلك أعقب ذلك بقوله: