نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08

الجزء ١٠ · صفحة ١٧

يتمثل إفساد بني إسرائيل وعلوّهم في الأرض بمخالفتهم لأحكام كتابهم وقتلهم لبعض أنبيائهم بغير حق مثل أشعيا وزكرياء ويحيي عليهم السّلام، ومحاولتهم قتل المسيح عليه السلام، فما تستقيم دولة على الفساد الإداري بخيانة المسؤولين، ولا يستمرّ عمران مع الظّلم والبغي والطّغيان. فبعث الله عليهم في المرة الأولى من وصفهم بأنهم أولو بأس شديد، وهم على الأرجح البابليون بقيادة "بختنصّر" في غزوات متتالية فقتل وأسر ودمّر وخرّب وجاس الجند خلال الدّيار فخرّبوا "أورشليم" بما فيها هيكل سليمان، وهكذا نفذ فيهم حكم الله.

ولكن الأيام دول، وقد تتعظ الشعوب بما تلاقيه من المصائب، فعندما ثاب بنو إسرائيل إلى رشدهم واتعظوا بما أصابهم بعد مدة من الزّمن يدل عليها العطف بـ"ثم" في قوله تعالى: {ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ) أي: أرجعنا لكم الغلبة والنّصر على أعدائكم فأصبحتم أمنع جانبا وأكثر عددا، والله تعالى لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم، ومن عدل الله تعالى أن يربط الجزاء بالعمل فيقول: {اِنَ اَحْسَنتُمُ أَحْسَنتُمْ لَأَنفُسِكُمْ وَإِنَ اَسَأْتُمْ فَلَهَا)، فقد ربط الله إحسانه بهم بتوبتهم ورجوعهم إليه، وهو في الواقع إحسان لأنفسهم بتغيير حالهم من العسر إلى اليسر.

فالإنسان مسؤول عن نفسه رهين بعمله فيجزى بالإحسان إحسانا وبالإساءة سوءا، فليت بني إسرائيل استبْقوا تلك النّعمة بدوامهم على الشّكر والاستقامة، ولكنهم سرعان ما تكرّر عصيانهم من جديد فتكرّرت سنة الله في تسليط عباده على بعضهم بعض.

{فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الاَخِرَةِ لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْا تَتْبِيراً):

٢٬٨٦٦ / ٦٬٢٠١