نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08
الجزء ١٠ · صفحة ١٦فقوله تعالى: {لَتُفْسِدُنَّ فِي الاَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً) بيان لجملة: {وَقَضَيْنَآ إِلَى بَنِي إِسْرَآئِيلَ فِي الْكِتَابِ)، والمراد بالكتاب هو التّوراة أو أحد كتبهم الدّينية الأخرى، وذلك الإخبار من الله تعالى بما يقعون فيه من الإفساد والعلوّ في الأرض إنما يجري وفق ما في علمه الأزلي سوف ينكشف لهم في مجرى تاريخهم. والبدء بالعلوّ في الأرض وعطف الإفساد عليه هو على قاعدة ترتيب المسبّبات على الأسباب لأن المفروض في أمة تدين بالتّوحيد وشرّفها الله بالرّسالة أن تبقى مستقيمة على الهدي السّماوي، فما ينبغي أن يكون العلوّ والقوة في الأرض وسيلة للظلم والإفساد، غير أن واقع الإنسان هو كما ذكره الله -وهو أعلم بمن خلق- استكبار وفساد في الأرض كلما تقوّى واستغنى، قال تعالى: {كَلآَّ إِنَّ الاِنسَانَ لَيَطْغَى، أَن رّءَاهُ اسْتَغْنَى) (العلق:6 - 7). والإفساد مرتين مما ثتبته كتبهم الدّينية، فقد تحقق إخبار الله بذلك ليكون فيه عبرة للمسلمين ومع العلوّ والإفساد في الأرض انتقام من الله بتسليط الأعداء عليهم يقهرونهم ويخضدون شوكتهم، وقد تمّ ذلك في المرة الأولى والثّانية.
{فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً، ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمُ أَكْثَرَ نَفِيراً، اِنَ اَحْسَنتُمُ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنَ اَسَأْتُمْ فَلَهَا):