نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08

الجزء ١٠ · صفحة ٢٨

{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً): وإذ تقررت المسؤولية الشّخصية للإنسان على عمله، وأنه مجازى -لا محالة- على ما اختاره لنفسه من نفع أو ضرّ، وبما أن المقام مقام إعذار وإنذار بيّن الله هنا أنه من مقتضى عدله ورحمته أن لا يهلك قوما بالعذاب الدّنيوي أو الأخرويّ حتى يقيم الحجة عليهم بإرسال الرّسل إليهم يدعونهم إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وقد تردّد في القرآن هذا المعنى كثيرا من نَحو قوله تعالى:

أ) - {وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ اِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ، ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ) (الشّعراء:208 - 209).

ب) - {وَإِن مِّنُ امَّةٍ اِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ) (فاطر:24).

ج) - {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ النَّذِيرُ) (فاطر:37).

د) - {أَلَمْ يَاتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمُ ءَايَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ بَلَى) (الزّمر:71).

وعلى ذكر العذاب بيّن الله بعد ذلك أسباب حلوله، حيث يقوم بعد بعثة الرّسول فقال: {وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً اَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً).

ولئن كان الحكم عامّا لكل قرية يسلك أهلها مسالك الغيّ والضّلالة بتسفيه الرّسول وتكذيبه، فإن فيها تهديدا لمشركي مكة وتحذيرا للمسلمين، فإرادة الله تتوجّه إلى إنجاز المراد عند حصول أسبابه، وهي هنا مخالفة المترفين -وهم أهل النّعمة وسعة العيش-، مخالفتهم لما أمروا به على ألسنة الرّسل من الطّاعة لله واتّباع هدي رسله، وقد وصفهم بالفسق وهو الانحراف عن الطّريق السّويّ.

وعلى قراءة: {اَمَرْنَاهُم) يكون المعنى: جعلناهم داعين قومهم إلى الضّلالة.

٢٬٨٧٧ / ٦٬٢٠١