نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08
الجزء ١٠ · صفحة ٤٧والتّبذير لغة: هو إفساد المال وإنفاقه في غير وجهه، وهو مرادف للإسراف، وحفظ المال من الكليات الخمس في المقاصد الشّرعية وهو عصب الحياة وعدّة الأمّة ودعامة مجدها، فالاعتدال في الإنفاق على مستوى الفرد والجماعة هو السّياسة الاقتصادية الحكيمة، إذ توازن بين الضّروريات والحاجيات والتّحسينات بما يضمن الكفاية لجميع المواطنين والتّوازن لميزانية الدّولة بما يبعدها عن التّبعية للغير.
ولتأكيد النّهي جيء بالمفعول المطلق: "تَبْذِيراً"، وبجملة التّعليل: {اِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ)، أي أنهم من أتباع الشّياطين يلازمونهم ملازمة الأخ لأخيه، فلا عجب أن يكون المبذّر لماله أخا للشّيطان، إذ ينفق ماله في الفساد والمعاصي ويستنزفه في اللّذات والفواحش، والتّبذير من العادات التي قد يألفها الإنسان، فعن عبد الله بن عمرو قال: «مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بسعد وهو يتوضأ فقال: ما هذا السّرف يا سعد؟، قال: أو في الوضوء سرف؟، قال: نعم، وإن كنت على نهر جار».(1)
ثم أكّد الله ذلك التّحذير بقوله: {وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً)، فيكون المعنى: إن المبذّر أخو الشّيطان، والشّيطان كفور لربه، فيكون المبذّر بالقياس إلى الشّيطان كفورا لربّه. ومن الكفر وضع نعمة الله في غير موضعها، وفي هذه الآية تعريض بمشركي مكة، إذ كانوا ينفقون أموالهم في الخمر والميسر وفي الصّدّ عن سبيل الله كما قال تعالى عنهم: {إِنَّ الذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ) (الأنفال:36).
خامسا: وقد لا يتيسر المال لأحد فيصل به رحمه أو يؤاسي به محتاجا، فليكن منه الوعد الجميل بالعطاء متى أمكن له أو الرّدّ بالقول الميسور وقد أحسن الذي قال:
(1) 1 - رواه أحمد في المسند، رقم 6768.