نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01
الجزء ١ · صفحة ٢٩قلت: إنّ الأستاذ العلاّمة لم يكن أوّل من أعطى هذا التّوجيه لافتتاحية بعض السّور بهذه الحروف، ولكنّه التّفسير الذي نقله العلماء عبر القرون الخوالي من عهد الصّحابة إلى يوم النّاس هذا، وهو التّفسير المُرَجَّح عند أكثرهم مالت إليه نفس الأستاذ، ولكنّه لا يُقطَع بأنّ ذلك هو المراد تأدّباً مع الله، وتهيّباً من أن يقول في كتاب الله بما لم يثبت قطعيّاً بدلالة محكمة من النّصّ، أو ببيان من رسول الله، ولذلك نجده في تعليقه بنفس الصّفحة يقول:" هذه هي الدلالة التّي أستريح إليها من تفسير الأحرف التّي تجيءُ في مفتتح بعض السّور، وتجيء مباشرةً إشارةً إلى القرآن، أو الذّكر، أو آيات الكتاب، وهو دليل ظنّي على أيّ حال، واليقين يعلمه الله”.
فما أروع هذا الأدب الرّفيع مع كتاب الله، لا يرقى إليه إلاّ أمثال هؤلاء الأفذاذ من علمائنا الأماجد، وقدوتهم في ذلك خليفة رسول الله أبو بكر الصّدّيق رضي الله عنه عندما قال:"أيّ سماءٍ تظلّني، وأيّ أرض تقلّني إذا قلت في كتاب الله برأيي؟ "(1)، أين من هذه الأخلاق العالية ما نشاهده اليوم من الجرأة على كتاب الله والخوض في أحكامه ممّن لا يتوفّر فيهم الزّاد المعرفي لعلوم القرآن، ولم تنْحنِ أصلابهم أمام شيوخ التّفسير، ولم يكلّفوا نفوسهم عناء البحث والدّراسة بدءاً بحفظ كتاب الله وممارسة تلاوته بإحدى القراءات المتواترة على الأقلّ، حتّى لكأنّ القرآن كبقيّة الكتب الأدبيّة، حسبُه أن يُلقي عليه نظرة عابرة ليعرف قيمته شكلاً ومضموناً، وحسب هؤلاء من الوعيد قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُّجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ، ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللهِ لَهُ، فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ، يَوْمَ القِيَامَةِ عَذَابَ الحَرِيقِ) (الحج:8 - 9).
و الله أعلم
(1) - أورده ابن كثير في تفسيره، 1/ 06.