نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01
الجزء ١ · صفحة ٢٨ويسمّي علماء التفسير هذه الحروف بالحروف النّورانية، وليس لها معانٍِ سوى الدّلالة على مسمّياتها كحروف يَنتظم منها الكلام، إلاّ أنّهم اجتهدوا في محاولة بيان معانيها، كلّ من المجال المعرفي الذي يغلب عليه، أو المدرسة التي ينتمي إليها، فمنهم من يرى أنّها ممّا استأثر الله بعلمه، كما يُروى ذلك عن أبي بكر الصّدّيق رضي الله عنه إذ قال: " في كتاب الله سِتْر، وسِتْر القرآن في أوائل السّور"، إشارة إلى تلك الحروف.
ولكن المتكلّمين يرون أنّه لا يمكن أن يكون في كتاب الله ما ليس مفهوماً، فاجتهدوا في بيان المراد منها، ولكنّ محاولاتهم لا تخلو-أحياناً- من تعسّف وتكلّف لا تتّفق مع المقاصد العليا للقرآن الكريم من أنّه كتاب هداية وإرشاد، متيسّر لمن يقرأه ويتدبّر معانيه: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القُرْآنَ للذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ) (القمر:15)، بحيث لا يحتاج قارئه إلى تخصّص في الفلسفة أو الرّياضيات، وبالتّالي لا يخضع إلى معادلات التّكنولوجيا، ولا إلى ضبط الحاسوب، كما فعل ذلك بعض العلماء في العصر الحديث.
وأحسن ما قيل في تفسير هذه الأحرف، أو على الأصحّ في بيان قصد الافتتاح بها، هو ما أورده العلاّمة السّيّد محمد قطب، في كتابه القيّم (دراسات قرآنية): " الكتاب مكوَّن من هذه الحروف التي تنطقون بها، وتصوغون كلامكم منها، من نفس الخامات التي تستخدمونها، فما بالها – على ألسنتكم- غيرها في هذا الكتاب؟؟، إنّ الإعجاز في هذا القرآن ليس نابعاً من أنّه استخدم حروفاً أخرى غير التي يتكلّم بها العرب المخاطَبون به أوّل مرّة، إنّما هو نابع من "الاستخدام الرّبّاني" لهذه الحروف ذاتها الموجودة في لسانهم، فإذاَ من نفس الخامة بناءٌ فريد معجز لا يتسنّى لبشر أن يأتي بمثله”. انتهى(1)
(1) - محمد قطب، دراسات قرآنية، 150.