نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08
الجزء ١٠ · صفحة ٥٦ولإهراق الدّماء بغير حق عواقبه الوخيمة في زرع الإحن والبغضاء بين الأفراد والجماعات قد لا يعفّي عليها الزّمان، ولا ينسيها الصّلح وأداء الدّيات؛ ولذا تكرر النّهي عن القتل في القرآن الكريم وفي السّنة المطهّرة؛ لأن الإقدام على إتلاف نفس بشرية هو إفساد لما أراده الله من صون النّفوس البشرية، وقد خلقها لعمارة الأرض وإصلاحها.
وقوله: {إِلاَّ بِالْحَقِّ) استثناء، والباء فيه للملابسة، أي يكون ذلك الحق مستحقا إذا ما توفّر، وتعيينه موكول إلى من لهم تعيين الحقوق، على ما كان متعارفا بين القبائل، وذلك قبل تأسيس الدّولة الإسلامية، إذ كان المسلمون مختلطين بالمشركين في مكة، وقد تقع جريمة قتل بينهم فلا يسارع المظلوم إلى أخذ ثأره بيده بل جعل الله ذلك الحق لوليّ القتيل، بأن يقتصّ من القاتل أو يأخذ عنه الدّية، لئلا تذهب بهم الغضبية إلى قتل من لم يكن جانيا حتى يتفاقم الأمر بين الجانبين فيعمّ الفساد.
وقوله تعالى: {فَلاَ يُسْرِفْ فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ’ كَانَ مَنصُوراً) أي لا يتجاوز وليّ القتيل الحدّ المشّروع في القصاص بأن يقتل اثنين مقابل واحد مثلا كما كانوا يفعلون في الجاهلية، بل يجب أن يكتفي بالدّية أو أن يعفو. وجملة: {إِنَّهُ’ كَانَ مَنصُوراً) تعليل للكفّ عن الإسراف في القتل. ويحتمل في ضمير "إِنَّهُ" أن يكون المعنى:
أ) - أن الله نصر وليّ القتيل بأن أوجب له القصاص أو الدّية.
ب) - أن المقتول ظلما هو منصور في الدّنيا بأخذ الدّية على قاتله وفي الآخرة بتكفير خطاياه وتعذيب قاتله.