نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08
الجزء ١٠ · صفحة ٥٧{وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّه)، وقد وردت هذه الوصية -وهي العاشرة هنا-، وردت في سورة الأنعام بنفس العبارات، وقد اختير لها ضمير الجماعة للمخاطبين؛ لأن العرب في جاهليتهم كانوا يستحلّون أموال اليتامى فحذر الله المسلمين من ذلك. وجاء النّهي فيها عن قرب مال اليتيم سدّا للذّريعة -أيضا-، وقد تقدم تفسيرها في سورة الأنعام. كما جاء الكلام وافيا عنها في كتابنا "الوصايا العشر".
{وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً): أمر الله بأن نَفِي بعهودنا بصفة مطلقة في هذه الآية، أما في سورة الأنعام فجاء العهد مضافا إلى لفظ الجلالة: {وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُواْ) (152). ويندرج في الوفاء بالعهد كلّ ما كلفنا الله به من الأوامر والنّواهي، ومنه العهد الفطريّ الذي أخذه من أصلاب الآباء كما جاء في قوله تعالى:
أ) - {وَإِذَ اَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمُو أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى) (الأعراف:172).
ب) - {أَلَمَ اَعْهَدِ اِلَيْكُمْ يَا بَنِي ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ الشَّيْطَانَ إِنَّهُ’ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) (يس:60).
كما يندرج فيه الوفاء بكلّ العهود التي تنعقد بين النّاس في تدبير شؤونهم وفي معاملاتهم الخاصّة والعامّة. وضدّ الوفاء بالعهد الخيانة وقد ندّد الله بها وحرم المتصفين بها من محبته فقال: {اِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْخَآئِنِينَ) (الأنفال:58).
والوفاء بالعهد هو القيام به على الوجه الأكمل وهو من الفضائل التي كان العرب يتفاخرون بها، وقد تأكد الأمر به في كثير من نصوص القرآن والسّنة.
{إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً): تعليل للأمر، أظهر لفظ "الْعَهْدَ" للاهتمام به، والله تعالى سائل عنه يوم القيامة فينكث النّاكثين أمام الخلائق.