نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08
الجزء ١٠ · صفحة ٧٦والجملة معطوفة على ما تضمّنه النّصّ السّابق من موقف الكفار أزاء سماعهم للقرآن، وقد وصفهم الله بأنهم لا يؤمنون بالآخرة، فتكون مقولتهم هنا تعبيرا عن ذلك جهروا به علانية، وربما كان ذلك إثر سماعهم للقرآن وهو يذكر أمر البعث والجزاء فيسارعون إلى الإنكار والسّخرية، إذ يعتقدون استحالة أن يعود الإنسان ثانية إلى الحياة بعد أن تبلى مادته الجسمية من عظام ولحم فتصير رفاتا وترابا. وكم في القرآن الكريم من نظائر هذه الاستفهامات الإنكارية يردّ الله عليها بالحجج القاطعة، كما ردّ عليهم هنا بقوله تعالى: {قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً اَوْ حَدِيداً، اَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُّعِيدُنَا قُلِ الذِي فَطَرَكُمُ أَوَّلَ مَرَّةٍ).
أمر الله رسوله أن يجيبهم في إصرار وتحدّ، بأن يطرح أمامهم فرضية مما يعتبرونه في بيئتهم من أقسى الخلق وهو الحجارة والحديد. ولا يقتصر على هاتين المادتين القاسيتين وهما أبعد ما يكون عن عناصر الحياة، يل يترقى بهم إلى أبعد من ذلك في تصوّر خلق آخر يكون أبعد من الحجارة والحديد عن قبول الحياة، فإن الله تعالى لا يعجزه أن يخلق فيه الحياة. ويلاحظ أن الله تعالى لم يحدّد ذلك الخلق الآخر، بل ترك لهم الخيار في تعيينه، وقيّد بقوله: {مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ) أي تعظم خلقته في بعدها عن الحياة. ولا شك أنهم سيختلفون في تحديد ذلك الشّيء، وذلك أمعن في التّحدّي، وأدلّ على المبالغة في بيان قدرة الله على الخلق والإيجاد، وعلى إعادة ذلك، فهم لا يعجبون من الخلق الأوّل، إذ يذكر القرآن أنهم لا يشكّون في أن ذلك كان من الله إذ يقول: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنَّى يُوفَكُونَ) (الزّخرف:87).