نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08
الجزء ١٠ · صفحة ١٠١{اَمَ اَمِنتُمُ أَنْ يُّعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً اُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفاً مِّنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً): بمعنى هل يأمن هؤلاء الجاحدون لرحمة الله -وقد أنجاهم الله من أهوال البحر- هل يأمنون أن يعيدهم الله إليه مرة أخرى فيرسل عليهم رياحا قاصفة لتدمّر مراكبهم فيغرقون جزاء كفرهم وعنادهم؟. ثم لا يجدون أحدا يطالب لهم بثأر فتهدر حقوقهم بذلك، ويكونون كمن بحث عن حتفه بظلفه كما يقول المثل؟.ونظير هذه الآية الكريمة قوله تعالى في سورة الملك: {ءََامِنتُم مَّن فِي السَّمَآءِ اَنْ يَّخْسِفَ بِكُمُ الاَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ، أَمَ اَمِنتُم مَّن فِي السَّمَآءِ اَنْ يُّرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ) (16 - 17).
ثم ذكّر الله بأجلّ نعمه على الإنسان إذ كرّمه ورفع درجته على غيره بأربعة أشياء فقال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً).
ولتأكيد هذه المنن الإلهية جاء الإخبار باللاّم المشعرة بالقسم وبـ"قد".
أ) - فالمنة الأولى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ)، منة التّكريم للإنسان لها جوانب متعددة: في استواء خلقته، وفي استعداداته الفطرية، وفي تسخير كل ما في الوجود لخدمته، وفي استخلافه في الأرض. وللإمام الشّعراويّ ملحظ في نوع التّكريم للإنسان إذ قال في تفسيره: "إن الحق سبحانه خلق الكون كله بكلمة "كن" إلا آدم فقد خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه فقال تعالى: {قَالَ يَآ إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) (ص:75). وقال: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ’ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ’ سَاجِدِينَ) (الحجر:29).