نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08
الجزء ١٠ · صفحة ١١٢{وَنَأَى بِجَانِبِهِ): "نَأَى" قرأ الجمهور بهمزة بعد النّون وألف بعد الهمزة. وقرأ ابن عامر في رواية ابن ذكوان وأبو جعفر: "وَنَاءَ" بألف بعد النّون ثم همزة، وهو من القلب المكاني؛ لأن العرب قد يطلبون تخفيف الهمزة إذا وقعت بعد حرف صحيح وبعدها مدّة، فيقلبون المدّة قبل الهمزة، لأن وقوعها بعد المدّ أخف. وقيل: معنى "نَاءَ" في هذه القراءة هو ثقل، أي عن الشّكر.
د) - البيان والتّفسير:
بعد ذكر مكر المشركين برسول الله وإذايتهم له وكيف عصمه الله من كيدهم، أمره هنا بشكر تلك النّعمة، وذلك بقيامه بأعظم عبادة تثبّت قلبه، وهي الصّلاة لأوقاتها وبالزّيادة فيها تهجّدا لربه في اللّيل وهو يعده بالنّصر في الدّنيا وبالمقام المحمود في الأخرى، فقال جلّ من قائل: {اَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اليْلِ وَقُرْءَانَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً، وَمِنَ اليْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَنْ يَّبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً).
الخطاب للرسول، ومن خلاله هو لأمته جمعاء، والمعلوم من تاريخ التّشريع أن الصّلوات الخمس فرضت ليلة الإسراء لما لها من المنزلة عند الله، وقد تعرضت الآية باختصار إلى أوقاتها.
فمن دلوك الشّمس إلى غسق اللّيل تكون الصّلوات الأربع: الظّهر والعصر والمغرب والعشاء. وهذه الأوقات قد وضّحتها السّنة بداية ونهاية قولا وعملا فأصبح مما يعلم من الدّين بالضّرورة عند المسلمين. ثم عطف الله على: {اَقِمِ الصَّلاَةَ) قرآن الفجر، والمقصود الصّلاة فيه. والعدول عن ذكرها إلى ذكر القرآن هو للتنبيه إلى أن قراءة القرآن في الصّلاة واجب يعتبر من أركانها، ويجب الإكثار منها في صلاة الفجر بالخصوص، إذ السّنة تطويل القراءة عند الفجر نسبيا.