نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08
الجزء ١٠ · صفحة ١١٥الشّكر لله يتمّ بالفعل والقول، فإذا كانت الصّلاة مظهرا عمليا لإتمام الشّكر لله، فإنها تتوّج بالدّعاء اللّساني لله تعالى والابتهال إليه. وفي هذه الآية تلقين لما يقوله الرّسول مبتهلا إلى ربّه، وهو ينتظم أعظم مواقفه في مسيرته الدّعوية، وهو ما بين دخول وخروج ملاحقا ومضطرا للخروج أو مجاهدا منتصرا. وفي كلتا الحالتين يطلب من الله حسن الغاية ونبل القصد في الدّخول والخروج وتيسيرهما له في كل حاله، وذلك كخروجه من مكة ودخوله إلى المدينة، أو دخوله بعد ذلك فاتحا إلى مكة وغيرها من المواقع. ثم يسأل الله أن يمنحه السّلطة بحجة تقنع، وبقوة تردع، وكلتاهما وسيلة للنّصر والتّمكين. وذلك في معنى قوله تعالى: {لَقَدَ اَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ) (الحديد:25). والحكمة تقول: يزع الله بالسلطان ما لا يزعه بالقرآن.
وتقديم الدّخول على الخروج؛ لأن الدّخول إلى أي مكان لا يكون حسن العواقب إلا إذا عرفت إمكانية الخروج وأنت في عافية وسلامة، كما يقول الشّاعر: "لا تقرب الورد حتى تعرف الصّدرا"، فبالنسبة للدخول إلى المدينة لم يتقّرر عند الله ولم يأذن لرسوله فيه إلا بعد تهيئة الظّروف الملائمة لنصرة الدّعوة في شخص رسول الله. كما أن الخروج من مكة كان تحت رعاية الله بما يسّره لرسوله من وسائل الحفظ والرّعاية.
ثم أعقب الله ذلك الدّعاء النّديّ بهذا الإعلان الذي جاء بصيغة الماضي للدّلالة على تحقيق الوقوع بظهور أمر الدعوة واندحار خصومها فقال: {وَقُلْ جَآءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً).