نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08
الجزء ١٠ · صفحة ١٢١وتكريسا لعجز الإنسان عن إدراك تلك الحقيقة جاءت الإجابة الإلهية أولا بأن الرّوح من أمر الله، أي إن أمرها من خصوصياته تعالى لا يمكن أن يطلع أحدا على سرّها.
وإضافة الأمر إلى كلمة "الرّبّ" فيه معنى الرّعاية بعد الخلق والإبداع، فكلاهما من أمر الله. وسيظل علم الإنسان قاصرا عن إدراك تلك الحقيقة.
ولتكريس ذلك القصور قال تعالى: {وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً)، والخطاب فيه للسائلين أولا وفيهم رسول الله نفسه ثم هو لسائر البشر، لأنهم وإن علموا أشياء في أغوار الذّات البشرية وفي الآفاق، فسيظل ذلك القصور وذلك التّفاوت العظيم لإدراك حقائق الأشياء بعيدا بعدا شاسعا، لا يمكن للإنسان أن يملأ فراغه إلا بما يقدره الله عليه، فيتوصّل إليه بعد أجيال وأجيال وتضافر الجهود في مجال البحث العلمي تحقيقا لقوله تعالى: {سَنُرِيهِمُ ءَايَاتِنَا فِي الاَفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمُ أَنَّهُ الْحَقُّ) (فصلت:53)، وقوله في آية الكرسي: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ) (البقرة:255).
فعلى ما نعيشه اليوم من التّقدم العلمي لسبر أغوار الكون وسبر أغوار النّفس البشرية فإن البحث العلمي دائما يعتمد على التّحليل والتّركيب المادي وعلى القياس والمقارنة ومع ذلك يبقى لغز الحياة والموت محيّرا لا يعرف العلماء كنههما إلا ما يكون من الظّواهر القابلة للمعاينة والتّحديد. وصدق الله الخالق العظيم إذ يقول: {يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الاَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) (الرّوم:7).
ويعجبني في هذا المقام ما قاله أمير الشّعراء أحمد شوقي في كتابه "أسواق الذّهب" وهو يخاطب الماديّين: "لقد عرفنا كما عرفتم الهيولى، ولكننا لم نجحد اليد الطّولى، فنحن وإياكم متساوون في العجز. عجزتم أنتم فقلتم سرّ من الأسرار، وعجزنا نحن فقلنا الله وراء كل ستار".