نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08
الجزء ١٠ · صفحة ١٢٤نجد المناسبة كبيرة بين قوله تعالى: {وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) وبين هذه الآية؛ إذ أن هذا الحكم يشمل النّبي نفسه، ولذا يكون ما أنزل عليه من القرآن ليبلّغه للناس هو من ذلك العلم الذي أراد الله تعالى أن يمنحه للناس، وعلم النّبوءة هو رأس العلم كما عبّر عنه رسول الله في الحديث الذي رواه ابن عباس رضي الله عنهما قال: «جاء أعرابيّ إلى النّبي صلى الله عليه وسلم فقال: علّمني من غرائب العلم، قال: وما صنعت في رأس العلم حتى تسأل عن غرائبه؟. قال: وما رأس العلم؟ قال: معرفة الله حقّ معرفته. قال: وما صنعت في حقه؟. قال: ما شاء الله. قال: اذهب فاحكم ما هنالك ثم تعال أعلمك من غرائب العلم».(1)
فالقرآن الكريم -وإن كان فيه علم كبير للرّسول ولأمته- فما هو إلا القليل من علم الله، فهو المانح للعلم وهو المعلم الأكبر للإنسان: {عَلَّمَ الانسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) (العلق:5). وقال تعالى لرسوله ممتنا عليه: {وَأَنزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً) (النّساء:113).
وبما أن العلم نعمة من الله يهبها لمن يشاء من عباده، والنّفس قد تعجب وتغترّ بما عندها من العلم، فأخبر الله تعالى بأنه هو القادر على سلبه ومحوه من الصّدور إن أراد. وخصّ رسول الله بالخطاب -وحاشاه أن يغترّ بعلمه- ولكنّ ذلك لكونه هو المختار لهذا العلم الإلهي بما تنزل عليه من الوحي، وكان عليه السّلام حريصا شديد الإشفاق على نفسه أن ينسى حرفا أو كلمة مما يوحى إليه، فكان يسابق جبريل في ترديد كلمات الوحي حتى طمأنه الله بأنه هو الذي يضمن له مهمّة الاستيعاب لما يوحي إليه فلا ينساه فقال:
(1) 1 - رواه الرّبيع بن حبيب في المسند: 03/ 214.