نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08
الجزء ١٠ · صفحة ١٢٦وكثيرًا ما تحدّى الله بقرآنه كفار قريش -بل العرب أجمع- تحدّاهم أن يأتوا بشيء مثله أو بسورة أو بعشر سور، والتّحدّي لا يكون إلا بجنس ما يتقنه المعارض، وكانت الفصاحة والبلاغة قد بلغت ذروتها في لسان قريش، وقد جمعوا من كل اللّهجات العربية في الجزيرة أحسنها وأفصحها، ومع ذلك عجزوا عن الإتيان ولو بسورة صغيرة من مثله، وهذا يدلّ على أن القرآن هو معجزة الرّسول الخالدة، إذ المعجزة لا تكون إلا من جنس ما نبغ فيه القوم، ثم ليست قاصرة على زمن التّنزيل، بل هي لعامّة الأمة الإسلامية إلى أن تقوم السّاعة، بل لا يقتصر التّحدّي هنا على الإنس وحدهم إذ هو موجّه إلى الثّقلين الإنس والجنّ لقصد التّعميم؛ لأنّ العرب يعتقدون أن لكل نابغ في الشّعر والأدب شيطانا يساعده وأن الجنّ أشدّ قوة من الإنس في القيام بعظائم الأعمال وفيهم من استمع إلى القرآن عند رسول الله، فتعاون الإنس والجن لمحاكاة القرآن هو أبلغ في التّحدّي.
وقوله تعالى: {لاَ يَاتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً)، نفي للمماثلة يقتضي أنهم عاجزون عن الإتيان بالأصل من باب أولى.
وهل ظل هذا التّحدّي قائما إلى يوم النّاس؟، نعم، بدون شك، فها قد مرّت خمسة عشر قرنا على نزول هذه الآية، والقرآن ما يزال يتلى غضّا طريّا كما نزل على قلب محمد عليه السلام تكسّرت على طوده كلّ الأنواء والأعاصير، ممن حاول النّيل منه بكيفية أو بأخرى، فلا عجب في ذلك، فإنّ الحق تبارك وتعالى تولّى حفظه إلا ما يشاء، وهو العليّ القدير.
ثم قال تعالى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً).
لقد تقدم بيان معنى التّصريف في ما سبق، أي بمعنى التّنويع على وجوه مختلفة في المبنى والمعنى ليتلاءم مع كل الأذواق والأفهام. وذلك ما يفيده قوله: {لِلنَّاسِ)؛ لأن المقام مقام التّحدّي.