نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01
الجزء ١ · صفحة ٢٩٨وضمائر الجمع في الآية: (مَا وَلاَّهُم عَن قِبْلَتِهِم) تعود كلها للمسلمين، والإضافة في (قِبْلَتِهِم) للدّلالة على مزيد اختصاصها بهم وملازمتهم لها، واشتهر عند العرب استقبالهم للكعبة كما سنّ ذلك جدهم إبراهيم، وتدلّ هذه الآية على أن المسلمين تحوّلوا في قبلتهم من جهة إلى أخرى، واختلفت الروايات في تحديد تلك الجهة وكيفية استقبالها. غير أن الأشهر منها تدلّ على أنّ المسلمين كانوا يستقبلون بيت المقدس في المدينة حتى نزلت آية التحويل، فقد روى الإمام البخاري أن نزول آية تحويل القبلة كان قبل صلاة الصبح وأن الرسول صلى الصبح للكعبة قبلها، وضبط رواة السيرة أن ذلك قد تم في رجب سنة اثنتين من الهجرة قبل بدر بشهرين، وقيل يوم الثلاثاء نصف شعبان منها.(1)
وقوله تعالى: (قُل لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَّشَآءُ اِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) وقد تقدم نظير هذه الآية، أي لا تفاضل بين الأمكنة والأبنية بل ولا بين سائر المخلوقات، بخصوصية تكون في ذواتها، لا تكون في غيرها، وإنما الاختيار لله وحده يضفي على بعض مخلوقاته حرمة وقدسية، تكون جامعة لخلقه في العبادة، ورمزا للتوجه إلى الله فيها، إذ الجهات والأماكن كلها مخلوقة لله، وهو المنزه عن التحيز في مكان أوجهة، فلا غضاضة في التوجه إلى جهة دون أخرى حسب ما يختاره الله ويأمر به عباده، إذ الاستقامة على طريق الله تتحقق بامتثال أوامره لا بالعناد والمكابرة، والمهدي من الناس إلى الصراط المستقيم هو المتبع لإرشاد الله في التوجه إلى حيث أمره.
(1) – ورد في رواية البخاري أنها كانت قبل صلاة العصر، و قد تقدم تخريج الحديث، و ذكر القرطبي عن الإمام مالك أنها نزلت قبل صلاة الصبح. أنظر تفسير القرطبي 2: 184 و ما بعدها.