نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08

الجزء ١٠ · صفحة ١٣١

بعد ذكر أشكال عناد المشركين وألوان تكذيبهم، أخبر الله هنا عن الأسباب التي تبعث النّاس على الجحود والإعراض في جميع الأمم البشرية، وهي اعتقادهم باستحالة أن يبعث الله رسولا للناس بشرا مثلهم، ثم شبهتهم في إنكار البعث، وأقام لهم المولى الحجة على عظيم قدرته في ما هو أكبر من ذلك، وأن النّاس لو ملكوا خزائن رحمة الله لبقوا على بخلهم وشحهم فقال جل من قائل: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُّومِنُواْ إِذْ جَآءَهُمُ الْهُدَى إِلآَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ اللهُ بَشَراً رَّسُولاً، قُل لَّوْ كَانَ فِي الاَرْضِ مَلآَئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً).

كانت وما تزال بشرية الرّسول مثار شبهة للناس تردّدها الأقوام كلها في حق رسل الله، ومشركو مكة ليسوا بدعا من البشر في إثارة تلك الشّبهة، أنظر إلى مقترحهم في ما سبق إذ قالوا لرسول الله: {اَوْ تَاتِيَ بِاللهِ وَالْمَلآَئِكَةِ قَبِيلاً)، وقولهم: {أَبَعَثَ اللهُ بَشَراً رَّسُولاً) هو تعبير عن معتقدهم وتوهمّهم الباطل أن لا تجتمع البشرية مع الرّسالة في شخص. وليت شعري، كيف يتمّ التّبليغ للبشر من جنس آخر؟، وكيف يمكن لبشر أن يتلقى عن الله بغير وسيط؟.

وقد حسم المولى تبارك وتعالى هذه القضية من ناحيتين:

أ) - ناحية الاختيار والاصطفاء: فإنه تعالى يختار لتلك المهمة عناصر ممتازة من البشر في الأرض ومن الملإ الأعلى في السّماء، فقال: {اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلآئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ) (الحج:75).

ب) - ناحية الوساطة التي تقتضيها قداسة الخالق وجلال شأنه وسلطته على ملكوته أزاء طبيعة المخلوق ومحدودية طاقته، إذ قال جلّ من قائل: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ اَنْ يُّكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَّ وَحْياً اَوْ مِنْ وَّرَآءِ حِجَابٍ اَوْ يُرْسِلُ رَسُولاً فَيُوحِي بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ إِنَّهُ’ عَلِيٌّ حَكِيمٌ) (الشّورى:51).

٢٬٩٨٠ / ٦٬٢٠١