نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08

الجزء ١٠ · صفحة ١٤٠

{قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَؤُلَآءِ الاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً):

لقد كشف موسى لفرعون حقيقة ما يضمره في نفسه بأنه يعلم علم اليقين بصدق تلك المعجزات، إذ لا يمكن أن تصدر من بشر، وإنما هو العناد والمكابرة كما قال عنهم تعالى في سورة النّمل: {وَجَحَدُواْ بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) (14).

وهنا كان الحزم يقتضي أن يتحدث موسى بشيء من القوة والجرأة بعدما وضحت آيات ربّه فأتى جوابه مماثلا لكلام فرعون، وهو يتوقع هلاكه فقال: {وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً)، والمثبور هو الذي أصابه الهلاك.

ويبدو موسى مترفقا في إضفاء ذلك الوصف على فرعون فجاء بفعل "الظّن" تأدّبا مع الله في ما يقضيه بالفعل، تاركا تقرير ذلك إليه، فقال تعالى: {فَأَرَادَ أَنْ يَّسْتَفِزَّهُم مِّنَ الاَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ’ جَمِيعاً، وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَآئيلَ اسْكُنُواْ الاَرْضَ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الاَخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً).

هذا التّفريع يلخّص بقية القصّة، وكيف كانت إرادة الله قاهرة لجبروت فرعون. وكثيرا ما يلتمس الجبابرة والطّغاة مبرّرات لظلمهم، وقد كان فرعون من قبل شديد الوطأة على بني إسرائيل، وكان يرفض لموسى طلبه في إرسالهم معه ليحرّرهم مما هم فيه، فما باله الآن يستفزّهم ليخرجوا من مصر وحدهم؟؛ ذلك لأنه أصبح مهدّدا ببقائهم هناك، فأراد أن يخلو له المكان.

غير أن إرادة الله قلبت عليه الوضع فخرج هو وجنوده ليلاحق بني إسرائيل بعد خروجهم فذهب برجليه إلى حتفه غرقا في البحر هو وجنوده، بعد أن أنجى الله موسى ومن معه.

٢٬٩٨٩ / ٦٬٢٠١