نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08
الجزء ١٠ · صفحة ١٥٤{لِّيُنذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُومِنِينَ الذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمُ أَجْراً حَسَناً، مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً):
بيان لمهامّ هذا الكتاب العظيم وهو يتمثل في البشارة والنّذارة، فقدمت الثّانية على الأولى؛ لأن المقام يقتضي تهديد المنكرين لإنزال القرآن من عند الله. والمنذِر هو الله تعالى، والمنذَر به هو البأس الشّديد من عند الله خزيا ونكالا في الدّنيا وشقاء أبديا في الآخرة، وقيل: إن البأس الشّديد هو ما سيلحق بالمشركين من القتل والأسر بيد المسلمين وبأمر الله تعالى. ويلاحظ التّعميم في هذا الإنذار إذ حذف المفعول الأول -أي الكفار-، ويدلّ عليه مقابله: {الْمُومِنِينَ) في قوله تعالى: {وَيُبَشِّرَ الْمُومِنِينَ الذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمُ أَجْراً حَسَناً، مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً).
هذه هي العلة الثّانية لإنزال الكتاب، وهي البشارة للمؤمنين الذين يجسّدون إيمانهم بالعمل الصّالح جريا على عادة القرآن -غالبا- في قرن الإيمان بالعمل الصّالح، وقد جاء في الأثر: «ليس الإيمان بالتّمنّي، ولكن ما وقر في القلب وصدّقه العمل».(1) والمبَشر به هو قوله: {أَنَّ لَهُمُ أَجْراً حَسَناً، مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً)، وذلك الأجر الحسن هو جنة الخلد، ويزيده قدرا ولذة عند المستحقين له أنهم ماكثون فيه أبدا؛ لأن الله عادل في ثوابه يعطي الجزيل من فضله فوق ما يستحقه المرء مقابل عمله، ثم هو جزاء أبدي لا نهاية له ولا انقطاع.
(1) 1 - تقدم تخريجه، ص 34.