نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08
الجزء ١٠ · صفحة ١٥٥{وَيُنذِرَ الذِينَ قَالُواْ اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا، مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لأَبَآئِهِمْ): تكرّر فعل الإنذار في تعليل آخر لإنزال الكتاب مع ذكر المفعول به بصيغة الموصول، ليقابل بذلك ما بشّر به المؤمنون، والمراد بهم هنا هم المشركون الذين يزعمون أنّ لله ولدا. وخصّ بالذّكر هذا النّوع من الإشراك لأنه أعظم الظّلم كما قال تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (لقمان:13). ويدلّ على تلك الفظاعة ما يرد في الآية اللاحقة.
وقوله: {مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لأَبَآئِهِمْ) أكّد نفي علمهم بـ"من"، لأنّ القول بغير علم كذب وافتراء لا أساس له في الواقع. والعلم إمّا أن يكون منقولا متوارثا أو يكون مكتسبا، وهم لا سند لهم في مقولتهم تلك من علم لا منهم ولا من آبائهم فبطلت بذلك أقاويلهم.
{كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنَ اَفْوَاهِهِمُ إِنْ يَّقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً): جاء هذا الاستئناف زيادة في استفظاع ذلك القول الشّنيع بصيغة التّضخيم والتّعجيب: {كَبُرَتْ كَلِمَةً)، وكبرها أنّها تخرج من أفواههم في وقاحة وتحدّ، ولم تبق حبيسة الخواطر، لأنّ الكلمة إذا خرجت من الفم وتلقّفتها الآذان فإنّها تفعل مفعولها في الضّمائر والأذهان، كما قال رسول الله: «ربّ كلمة لا يأبه بها الإنسان تهوي بصاحبها سبعين خريفا في جهنم».(1) أو كما قال.
ثم أكد الله ذلك الإنكار بقوله: {إِنْ يَّقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً)، لأنّ كلّ كلام لا يكون له في الواقع وجود فهو كذب وافتراء. وجيء بالجملة بصيغة النّكرة في سياق النفي لتدلّ على العموم في كلّ ما يقوله الكفار في حقّ الرّسول والقرآن والإسلام.
(1) 1 - رواه البخاري من حديث أبي هريرة، كتاب (34) الزهد، باب (10) ما جاء من تكلم بالكلمة ليضحك الناس، رقم 3314.