نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08

الجزء ١٠ · صفحة ١٥٦

{فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى ءَاثَارِهِمُ إِن لَّمْ يُومِنُواْ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً): ما أعظم على الدّاعية الملتزم أن يجد إعراضا وصدودا من قومه، وإذ كان الرّسول شديد الحزن بإعراض قومه عنه، جاءت هذه التّسلية الرّبانية له مفرّعة عما سبق بقوله تعالى: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى ءَاثَارِهِمُ إِن لَّمْ يُومِنُواْ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً)، فـ"لعلّ" مستعملة هنا للاستفهام الإنكاري، يقصد به تحذير الرّسول من الاغتمام والحزن الشّديد لإعراض المشركين عن الإيمان وسماع القرآن.

وفي قوله تعالى: {بَاخِعٌ نَّفْسَكَ) تمثيل للحالة النّفسية التي يكون عليها رسول الله -أحيانا- كمن يحاول أن يتلف نفسه أسفا وحسرة. وقوله: {عَلَى ءَاثَارِهِمُ)، أي حزنك عليهم أيها الرّسول كحزن من يسافر عنه حبيبه فيبقى في آلام اللّوعة والفراق، وتكرر في القرآن مثل هذه التّسلية لرسول الله فيقول تعالى:

أ) - {فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ اِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) (فاطر:8).

ب) - {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُومِنِينَ) (الشّعراء:3).

ج) - {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُومِنِينَ) (الحجر:88).

وقد حدد الله مهمة رسوله في البلاغ والتّذكير، وليس عليه بعد ذلك أن يؤمن به النّاس أو لا يؤمنوا.

{اِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الاَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمُ أَيُّهُمُ أَحْسَنُ عَمَلاً، وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً):

جاءت هذه الآية مناسبة لسابقتها؛ إذ الكافرون قد اغترّوا بفتنة الدّنيا وزينتها، والله تعالى يختبرهم بذلك، فكانت هذه الآية كالتّعليل لسابقتها، وهي … -أيضا- تتضمن التّعريض بالكفار بأنّ الله تعالى سيسلب عنهم تلك النّعمة إن هم تمادوا في الكفر.

٣٬٠٠٥ / ٦٬٢٠١