نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08

الجزء ١٠ · صفحة ١٦١

ففي هذه الآية والتي تليها إجمال لأحوال أولئك النّفر المؤمنين، وهم في عزّ شبابهم فرّوا بإيمانهم ودينهم من فتنة الكفر والضّلال فأووا إلى الكهف للخلوة والانزواء، والكهف هو المأوى الطّبيعي الذي لجأ الإنسان إليه من قديم الزّمان فرارا من غوائل الزّمان والوحوش. وكان ذلك مما امتنّ به الله علينا إذ قال: {وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَاناً) (النّحل:81). ويظهر من الفتية حسن القصد وشرف الغاية بقولهم: {رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنَ اَمْرِنَا رَشَداً)، وهذا الدّعاء في مقدمة القصة -وقد بادر به الفتية في مسعاهم إلى الكهف- هو محلّ الاعتبار من جهة، وفيه القدوة لما ينبغي من المؤمن أن يكون عليه من إخلاص التّوجّه إلى الله وطلب رحمته والاستعانة بتوفيقه وألطافه، وأيّ دعاء هو أوفق في مسعى المؤمن من طلب الرّشد في الأمر كله، فهو جامع لخيري الدّنيا والآخرة، إذ لا يكون أمر المؤمن في مسعاه إليهما إلا موافقا للرّشد والصّلاح.

{فَضَرَبْنَا عَلَى ءَاذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً، ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُواْ أَمَداً):

فرّع الله على ذلك الدّعاء النّديّ بيان مجال لطفه بأهل الكهف، بأنّه ضرب على آذانهم بالنّوم، والضّرب هنا تعبير تصويريّ لحجب الآذان عن سماع الأصوات، وبذلك تتجلّى رحمة الله ولطفه بهم، حتى يجدوا الرّاحة الكافية بذلك النّوم العميق الذي امتدّ لسنين طويلة، والنّوم للحيوان موت مؤقت يخلد فيه للراحة حتى يستعيد نشاطه الحيويّ في ما قدّر الله له من أجل. وحاسّة السّمع لا يتحكم فيها الإنسان كحاسّة البصر، وإن سدّ بإصبعه ثقب أذنه، فلا تتعطّل إلا بالنّوم العميق، وذلك ما متعهم الله به لسنين طويلة، ثم كانت يقظتهم بعدها بقدرة الله، ولو شاء لأنامهم نومة الموت.

٣٬٠١٠ / ٦٬٢٠١