نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08
الجزء ١٠ · صفحة ١٦٦وقوله تعالى: {إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إِلَهاً لَّقَدْ قُلْنَآ إِذاً شَطَطاً)، وكالنّتيجة لذلك الرّبط الإلهي على قلوبهم بالإيمان جاء قيامهم للصدع بالحقّ الذي آمنوا به، إذ أعطاهم الله قوّة العزيمة وألهمهم الصّبر واليقين في مواجهة الباطل الذي عليه قومهم وفي مقدمتهم الملك "دقيانوس"، ذلك الجبّار الذي كان يرغم النّاس على عبادة الأصنام. وقد رجّح الإمام ابن كثير أن قصة أهل الكهف كانت قبل مجيء النّصرانية، أي في العهد الوثني للرّومان، أي قبل عهد قسنطنطين الذي اعتنق النّصرانية، فالقيام -إذن- مستعار للصّدع بالحق ومواجهة الكفر والظّلم، سواء كان ذلك أمام ملكهم الجبّار، أو أمام قومهم الكفار، ويتمثل الإعلان بذلك الحق في قولهم: {رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إِلَهاً لَّقَدْ قُلْنَآ إِذاً شَطَطاً).
إنه الإعلان الحق، بتوحيد الألوهية والرّبوبية في تنزيه الخالق عن الشّريك، وفي نفي الدّعاء لغيره لما في ذلك من الإفراط في الجحود والكفران. والنّفي التّأبيدي بـ"لن" يدلّ على الدّعوة السّائدة في قومهم لعبادة الأصنام، وهم يستنكرون ذلك ويرونه مجافاة للحقّ وبعدا عن الصّواب ولذلك قال بعضهم لبعض: {هَؤُلآَءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ ءَالِهَةً لَّوْلاَ يَاتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنَ اَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً).
والإشارة للقوم بضمير المتكلمين هي للتّعجيب من حالهم الشّائنة ببقائهم على الكفر دونما الإتيان بدليل واضح على ذلك، فلا أحد أعظم ظلماً ممن يفتري على الله الكذب باتّخاذ الأنداد له. وتذكير الفئة المؤمنة لبعضها البعض بمثل تلك المواقف الشّائنة والتّنديد بها يكون كاللّحمة القوية التي تشدّها وتقوّيها أمام التّحديات والمغريات.