نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01

الجزء ١ · صفحة ٣٠٣

والمقصود بعلم الله هنا تجلّيه من عالم الغيب كما هو مقدور في علمه الأزليّ ليظهر في واقع النّاس حتّى يحاسبهم عليه، لأنّ الله يعلم ما يكون قبل أن يكون، وقد أظهر هذا الحادث الصّادق في إيمانه الذي ليس له أيّة مرجعيّة قديمة يتشبّث بها، فهو يخلص ولاءه لله والرسول محبّة واتّباعاً وانقياداً، وهو ثابت على ذلك في الحالتين من الاتّجاه إلى القبلة المأمور بها، وأمّا الواهي في إيمانه فسرعان ما يقع في الحيرة والاضطراب، وقد يجرّه ذلك إلى الارتداد والانقلاب -والعياذ بالله-، وفي مثل تلك المواقف الحرجة لا هادي للإنسان إلاّ عون الله وتوفيقه للثّبات على طريق الهدى والرّشاد.

ولمّا كان التّحوّل إلى الكعبة في الصّلاة، باعثاً على التّشكيك في قبول الصّلاة المتّجه فيها إلى بيت المقدس، جاء التّطمين الإلهي للمسلمين بقبول الله لما قدّموه من صلوات قبل ذلك، فقال جلّ من قائل: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمُ، إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ).

ولئن كان الابتلاء مظهراً لحكمة الله، وتدرّجاً في تشريع أحكامه، فإنّه تعالى لا يكلّف النّاس ما لا يطيقون، ولا يبخس حقّهم في ما قدّموه من أعمال بنيّة صادقة، لأنّ من صفاته العليّة الرّأفة والرّحمة بعباده، وقد روى البخاري في سبب النّزول:» كان مات على القبلة قبل أن تحوّل رجال قُتلوا لم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله الآية «.(1)

(1) - رواه البخاري عن البراء بن عازب في كتاب التفسير، باب ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَآءُ مِنَ النَّاسِ﴾، حديث4216، (4/ 1631)

٣٠٣ / ٦٬٢٠١