نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 01
الجزء ١ · صفحة ٣٠٢الجملة معطوفة على قوله تعالى: (سَيَقُولُ السُّفَهَآءُ مِنَ النَّاسِ) جيء بها لبيان الحكمة من تحويل القبلة، ويأخذ فعل (جَعَلْنَا) معنى شرعنا، لأنه من شؤون التعبد لا من شؤون الخلق، والمراد بالقبلة التي كنت عليها هو بيت المقدس، لزم الرسول وأصحابه الصلاة إليها زمنا … -كما تقدم- ثم بين الله علة ذلك بقوله: (إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَّتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَّنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ) وبذلك تظهر الحكمة الإلهية في تقدير هذا الحادث، وهو في مغزاه تربية مثلى للمجتمع الناشئ في المدينة المنورة لترسيخ عقيدة التوجّه إلى الله وتمحيص الولاء له رويدا رويدا، والناس ما تزال فيهم رواسب من جاهلية تقدس الجنس وما يخصه من مقدسات وعادات مستحكمة، حتى لكأنّ الكعبة والبيت الحرام قد أخذا طابع الجنس العربي بحكم ما تواضعوا عليه من تراث جدهم إبراهيم، وعلى ما ألصقوا به من خرافات الشرك والضلال، فإن تخليص البيت من تلك الشوائب وتمحيصه لعبادة الله لم يكن بالأمر السهل، ولذلك قال تبارك وتعالى: (وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً اِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ)، ومن هنا تدرك محل الاختبار من قوله تعالى: (إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَّتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَّنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ).