نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب الأجزاء) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

نفحات الرحمن في رياض القرآن للشيخ كعباش ج 08

الجزء ١٠ · صفحة ١٨٣

وكان سادة المشركين قد اقترحوا على الرّسول أن يطرد من حوله فقراء الصّحابة من أمثال صهيب وبلال وعمّار وغيرهم من "أهل الصُّفَّة"، لأنهم لا يدانون السّادة في مقامهم وعلوّ شأنهم، فإن فعل الرّسول ذلك فإنهم سيجلسون إليه لاستماع القرآن. فأصبح الرّسول بذلك في موقف يتطلب الحنكة والجراءة في اتّخاذ القرار، وهو يتطلع إلى إسلام القوم؛ لأنهم قالوا: نحن سادات مضر وأشرافها، فإن أسلمنا أسلم النّاس، وما يمنعنا من اتّباعك إلاّ هؤلاء، فنحّهم حتى نتبعك، أو اجعل لهم مجلسا، ولنا مجلسا. فنزل قوله تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ’ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنَ اَغْفَلْنَا قَلْبَهُ’ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ’ فُرُطاً).

تؤكد التّوجيهات الإلهية لرسوله على القيم الرفيعة للعقيدة الصّحيحة، وهي لا تقاس بالموازين الجاهلية التي درج عليها القوم من المال والجاه والأولاد والأتباع، فكلها أعراض زائلة، كما مثل الله لها في الآيات اللاحقة. وها هي تلك القيم الرّفيعة يقيمها المولى تبارك وتعالى في أشخاص أولئك الأصحاب الأبرار، ويأمر رسوله بملازمتهم وحبس نفسه معهم، وقد وصفهم الله بما هم جديرون به من أوصاف التّقى والصّلاح فقال:

أ) - {يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ): أي يذكرون الله ويحمدونه في كل الأوقات في إجلال وتعظيم.

ب) - {يُرِيدُونَ وَجْهَه): أي أنهم نفضوا أيديهم من الدّنيا وزينتها، مقبلين على الله مبتغين لمرضاته.

ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة الأنعام: {وَلا تَطْرُدِ الذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) (52).

٣٬٠٣٢ / ٦٬٢٠١